توصيف رجال الشيخ الطوسي S
الشيخ نجم الترابيّ (دام عزّه)
بعد أن قمنا بتحليل مقدّمة الشيخ لكتابه أولاً, ثم متابعة ما في الكتاب بالمقارنة مع ما جاء فيها, عرضنا مجموعة أمور رئيسة:
(منها) موضوعه, (ومنها) المنهج العام الذي اعتمده الشيخ في تصنيفه, (ومنها) أهم الإشكاليات التي وجُهت إليه, (ومنها) الجرح والتعديل فيه, (ومنها) نُسَخ هذا الكتاب, (ومنها) تأخره عن الفهرست وتقدّمه على كتاب الاختيار..
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وبه نستعين, والصلاة والسلام على محمد وآله الميامين.
ويقع الكلام في مقدمة وفصول وخاتمة:
المقدمة
كتاب رجال الطوسي S من الأصول الرجالية, وحتى تتجلى أهميته لابد من البحث مقدمةً عن الأصول الرجالية, وهو بحث عام يقع قبل الدخول في توصيف الأصول الرجالية, ونذكره في أمور خمسة:
الأمر الأول
المصنفات المرتبطة برواة الأحاديث متعددة الأنواع كما ستأتي الإشارة إليها, والتصنيف المناسب – كما هو مذكور في كلمات الأعلام(١)- هو أن تعرض الأبحاث الرجالية في فنون ثلاثة على الترتيب:
١- علم تمييز المشتركات.
٢- علم طبقات الرواة.
٣- علم الجرح والتعديل.
والوجه في اختيار هكذا تصنيف وترتيب هو ما تقتضيه كيفية التعامل مع المعلومة الرجالية وصولاً إلى تشخيص اعتبار السند وعدمه, لأنّه إذا لم يكن كل واحد من رواة السند متميّزاً ومتعيّناً لا يتسنى لنا تحديد طبقته والإطلاع على وثاقته أو عدمها, وبعد تمييزه إذا كان مشتركاً فإنّه لا قيمة لوثاقة رواته إذ قد يكون هذا السند الذي ظاهره الاتصال والعنعنة ليس كذلك واقعاً بل هناك انقطاع وإرسال, واستكشاف ذلك إنما يكون عن طريق تشخيص طبقات رواته(٢) ومن ثمّ يأتي أثر تحديد وثاقة رواته وعدمها.
فظهر أنّه حتى نصل إلى اعتبار السند أو عدمه لابد من طي مراحل ثلاث في فنون ثلاثة(٣) على الترتيب.
ولا يخفى أن الحاجة إلى تميز المشتركات ليست دائمية, بخلاف تحديد الطبقات وتوثيق الرواة.
الأمر الثاني
هذه الفنون الثلاثة لها مبادئ مشتركة ولكلٍ منها مبادئ خاصة, فالمبادئ المشتركة من قبيل:
٢- منابع المعلومة الرجالية.
٣- المعايير في قبول وحجيّة قول الرجالي.
٤- أحكام التعارض بين الرجاليين, وهذا يختلف عن التعارض في الروايات التي بشأن الرجال كما في كتاب اختيار معرفة الرجال, فانه يتعامل معها بقواعد التعارض التي في علم الأصول.
٥- المعايير في اعتبار ما نصل إليه نحن بالتتبع وتجميع القرائن, لا من جهة قول الرجالي, وفيه يذكر القطع والاطمئنان والظن في خصوص المعلومة الرجالية, وقد تؤخذ بعض هذه كأصول موضوعه من علم الأصول.
إلى غير ذلك من المبادئ المشتركة .
والوجه في كون هذه من المبادئ المشتركة هو دخولها في هذه الفنون الثلاثة وعدم اختصاصها بأحدها.
الأمر الثالث
منابع المعلومة الرجالية – واعني بالمعلومة الرجالية مسائل الفنون الثلاثة المذكورة آنفاً وغيرها كمسائل الفهارس والمشيخة وتاريخ علم الرجال – والتي هي من المبادئ المشتركة وتتمثل في أربعة أمور:
١- الأصول الرجالية:
وأعني بها الكتب والنصوص المتعلقة بأحوال الرواة من الجهة المنظورة للرجالي, وإنما ذكرت النصوص لأنها قد لا تكون كتاباً مستقلاً بل نصوص موجودة في كتب أخرى, وهي تصلح للمرجعية وأن تكون أصلا وإن لم تكن الكتب المشتملة عليها كذلك.
وقد أكد على الاستفادة منها في علم الرجال وتحليل المعلومة الرجالية السيد
البروجردي(٤)S كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
٣- المصنفات الفقهية والأصولية التي يحتمل وصول بعض المصادر الرجالية الحديثة والقديمة إليها أو كانت تصلح للمرجعية كالعدّة وكتب الشيخ الطوسي وابن إدريس والشهيد الأول ونحوها.
٤- كتب السير والتراجم والتأريخ القديمة إذ أنَّ علم الرجال أحد علوم التأريخ والسير والتراجم.
وهنا – أي في الأمر الثالث – جهات ينبغي الالتفات إليها:
الجهة الأولى: يتضح وبأدنى تتبع لفهرستي النجاشي والشيخ ورجاله أنهم يعتمدون على المصنفات الرجالية للمتقدمين من العامة والخاصة وكذا كتب السير والتاريخ والتراجم, وتجدر الإشارة إلى أنّ المناسب تشخيص مصادر الشيخ والنجاشي V, فإن لها بالغ الأثر في تقييم هذه الكتب والاستفادة منها.
الجهة الثانية: سعة الاعتماد على هذه المنابع يعتمد من جهة على المبنى في حجية قول الرجالي أو قل بعبارة أوسع الحجية في المعلومة الرجالية حتى لو لم تؤخذ من الرجالي, فمثلاً الذي يرى الحجية من باب حجية مطلق الظنون فدائرة استفادته من هذه المنابع واسعة, والذي يرى الحجية من باب مطلق الاطمئنان أقل سعة والذي يراها من باب كون الرجالي من أهل الخبرة والتثبيت تكون أوسع, والذي يراها من باب أخبار الثقة أيضاً تكون دائرة استفادته وسيعة وهكذا .
الجهة الثالثة: أصحاب الأصول الرجالية وإن كانوا قد اعتمدوا مثل هذه المنابع الأربعة كما نوهنا, إلا إن أكثرها كان الأول – كما سيأتي في بيان منهج
الشيخ في رجاله – أما من جاء بعدهم فبنسب متفاوتة كان بعضهم يرى التعاون بين المنبعين الأولين كالشيخ حسن العاملي في منتقى الجمان, والأردبيلي في جامع الرواة وغيرهما, فلم يقتصروا على الأول وإن كان الأكثر اعتماداً ولم يعرضوا عن الثاني بل زاوجوا بينهما في أبحاثهم الرجالية, ولما كان أكثر الاعتماد على المنبع الأول صار محلاً للنقد من قبل متأخري المتأخرين كالسيد البروجردي S وتلامذته والمتأثرين به من انه لابد مع ذلك وبدرجة أكبر الاستفادة من المنبع الثاني فذكروا بعض نقائص الاقتصار على المنبع الأول ومزايا المنبع الثاني.
أما نقائص الاقتصار على المنبع الأول فهي:
١- عدم تلبيته لما يحتاجه الباحث لأن الأصول الرجالية لم تترجم لجميع الرواة الذين تضمنتهم الأسانيد في الكتب الحديثية, بل أهملت الكثير منهم, والحال أن كتب الرجال تمثل معّرفاً للرواة مما يقتضي المطابقة بان تترجم لجميع الرواة المذكورين في الأسانيد(٥) .
٢- ومَنْ تُرجِمَ له من الرواة لم يتعرضوا في ترجمته لبيان طبقته ومشايخه الذين روى عنهم وتلامذته الذين تحملوا عنه, نعم بعضهم في بعض الرواة ولكن لم يذكروا تمام مشايخه وتلامذته(٦).
٣- يمثل تقليداً لأقوال أصحاب الأصول الرجالية وتعبداً بكلماتهم لا أنه اطلاع مباشر على أحوال الرواة(٧).
وأما مزايا الاعتماد على المنبع الثاني فهي في الجملة ما نتلافى بها النقائص السابقة .
وتوضيحه:
(تارة) ننظر إلى تتبع الأسانيد وبقطع النظر عن متونها وما فيها من دلالات من حيث خصوصيات الراوي, (وأخرى) ننظر إلى المتون من جهة ألفاظ المتون وعددها وغير ذلك. واستشفاف مالها من دلالات على مستوى خصوصيات الراوي.
أما بالنظر إلى الأسانيد فقط فانه:
١- بمتابعة تمام الأسانيد التي ذكر فيها الراوي وقياس بعضها ببعض نحصل على نتائج تمثل اطلاعاً مباشراً على أحوال الراوي لا تقليداً وتعبداً بما يقولهُ الرجاليون .
٢- الاطلاع على جميع مشايخ الراوي وتلامذته هذا إذا نظرنا إلى مقطع من السند لا إلى تمامه, أما إذا نظرنا إلى تمامه فيمكننا معرفة مشايخه ومشايخ مشايخه وهكذا, وبالتالي تمام أسانيد هذا الراوي وأسانيد مشايخه ومشايخ مشايخه إلى الإمام g.
٣- استكشاف الحلقات المفقودة في سلسلة السند من خلال قياس بعض الأسانيد ببعضها, وكذلك تحصيل الحل لبعض العلل من التصحيف والقلب والنقص والزيادة إذ أنَّ بعض الأسانيد يكون دليلاً على الآخر(٨).
وأما بالنظر إلى المتون فإن (الرجوع إلى متون أحاديث الراوي المبعثرة على الأبواب واعتبارها لفظاً ومعنى وكماً وكيفاً, فيفهم منها الراوي هل متضلعاً في علم الفقه أو التفسير أو غيرهما من المعارف, أو لم يكن له مهارة وحذاقة في شيء منها, يفهم ذلك كله إذا قيست رواياته بعضها ببعض وبما رواه الآخرون في معناها, ويلاحظ انه قليل الرواية أو كثيرها وانه ثبت ضابط فيما يرويه أو مخلط مدلس) (١٠).
ولأجل هذه المزايا يمثل المنبع الثاني منبعاً غزيراً لا غنى للباحثين عنه, ولكن مع ذلك امتنع المحصلون من الاعتماد عليه لسببين:
الأول: تمثل الأسانيد آلة لملاحظة المتون وليست ملحوظة بالأصالة, وهذا يقلل من شأنها ومن ثم الاهتمام بها.
الثاني: تفرق أسانيد كل راو بسبب اختلاط الروايات بعضها ببعض إذ أنها تجمع في باب واحد على أساس وحدة متونها لا على أساس وحدة الرواة فترى للراوي الواحد رواية في باب الطهارة وأخرى في الخمس وثالثة في التجارة ورابعة في الإرث وهكذا, مما يجعل جمعها أمراً صعباً والتأمل على هذا التشتت متعذراً (١١).
أقول: مع ما للمنبع الثاني من المزايا التي ذٌكرت إلا إن للمنبع الأول مزايا قد لا يعطيها المنبع الثاني.
(منها) اطلاع أصحاب الأصول الرجالية – أعني الشيخ والنجاشي – على كتب الرجاليين القريبي العهد من الرواة والتي لم تصل إلينا, وهذا لا يعني أن تمام مصادر المتقدمين كانت تحت أيديهم, بل غير قليل منها قد تُلفت ولكن مع ذلك كان الكثير منها تحت أيديهم, ولا بأس بتعداد بعضها:
فمن كتب الفهارس:
فهرس سعد بن عبد الله الاشعري, وعبد الله بن جعفر الحميري, وحميد بن زياد النينوائي, ومحمد بن جعفر بن بطة, وابن الوليد وابن قولويه, والصدوق وابن عبدون وغيرهم .
ومن كتب الرجال:
الحسن بن علي بن فضال, وسعد بن عبد الله الأشعري السابق الذكر, وأبو العباس بن عقدة وابن الوليد وابن نوح والعقيقي(١٢).
وهناك من ليس لديهم كتب في الفهارس والرجال لكن لديهم آراء في الرجال تمكن أصحاب الأصول الرجالية من الاطلاع عليها كالفضل بن شاذان.
(ومنها) هناك بعض المعلومات حول الأشخاص والمصنفات تنقل بالمشافهة من معاصري الرواة أو قريبي العهد منهم عن طريق المشايخ إلى أصحاب الأصول أو أصحاب الكتب التي اعتمد عليها أصحاب الأصول الرجالية. وغيرها من المزايا التي تمثل معرفة بالرواة قد لا تعكسها لنا الكتب التحديثية خصوصاً للرواة قليلي الرواية.
فظهر مما ذكرنا إن الأصول الرجالية من أهم المبادئ المشتركة لفنون علم الرجال الثلاثة وغيرها بحيث لا يمكننا الدخول فيها – أي الفنون الثلاثة هذه – إلا بعد التحقيق في هذه الأصول, إذ أننا ننطلق منها وإليها نعود.
الأمر الرابع
في عدد الأصول الرجالية:
ذكر السيد البروجردي S إن الكتب الموضوعة في هذا الباب لا تتجاوز عدةً:
(كتاب رجال الشيخ وفهرسته ورجال الكشي وفهرست النجاشي)(١٣), وذكر في مقدمته على ترتيب أسانيد التهذيب إن الشيخ الطوسي ألف كتاب الفهرست وكتاب الرجال وبذلك يعدّ كالمؤسس فنياً لهذين الفنين, أما النجاشي فصنف فهرسته بعدهما(١٤).
وذكر المحقق التستري S في الفصل السادس عشر: (المعروف من مدارك هذا الفن أربعة: معرفة رجال الكشي - أي اختيار الشيخ منه فانه الذي وصل إلينا - ورجال الشيخ وفهرسته, وفهرست النجاشي ... ومن مدارك الفن – غير المعروفة – رجال البرقي وفهرست ابن النديم, وكتاب ضعفاء ابن الغضائري, ورسالة أبي غالب, ومشيخة الفقيه, وتاريخ بغداد, ومعجم الأدباء للحموي, وغيبة الطوسي, واختصاص المفيد وإرشاده ورسالته العددية) (١٥).
وفي معجم رجال الحديث للسيد الخوئي S: (وهذه الأصول خمسة:
١- رجال البرقي.
٢- رجال الكشي.
٣- رجال الشيخ.
٤- فهرست الشيخ.
٥- رجال النجاشي.
وهذه الكتب – عدا رجال البرقي – من الكتب المعروفة التي تناولتها الأيدي طبقـة بعـد طـبـقـة ولا يـحـتـاج لثبـوتها إلى شـيء ... وأما الكتاب المنسوب إلى ابن
الغضائري فهو لم يثبت(١٦).
وتجدر الإشارة إلى إمكان توسعة دائرة الأصول الرجالية أو النصوص التي تصلح للمرجعية في المعارف الرجالية في بعدين:
احدهما: توسعتها للمصنفات المتأخرة عن الشيخ مثل مصنفات ابن
شهر آشوب, ومنتجب الدين وغيرهما بالنظر إلى أمكانية اطلاعها على المصادر التي كانت في عصر الشيخ لقرب عهدهما من عهده, وذكر ذلك السيد
الخوئي S: (ومما تثبت به الوثائق أو الحسن أن ينص على ذلك أحد الأعلام المتأخرين بشرط أن يكون من أخبر عن وثاقته معاصراً للمخبر أو قريب العصر كما يتفق ذلك في توثيقات الشيخ منتجب الدين أو ابن شهر آشوب)(١٧).
ثانيهما: وصول بعض المصنفات المتقدّمة على الشيخ - والتي ينقل منها أو نقل القليل أو نقل وسقط من كتبه - إلى المتأخرين كابن طاووس والعلامة وابن داود.
الأمر الخامس
في أنواع هذه الأصول الرجالية:
ذكر المحقق التستري S إن (كتب فن الرجال العام على أنحاء:
١- منها بعنوان الرجال المجرد.
٢- ومنها بعنوان معرفة الرجال.
٣- ومنها بعنوان تاريخ الرجال.
٦- ومنها بعنوان الممدوحين والمذمومين.
٧- ومنها بعنوان المشيخة.
ولكل واحد موضوع خاص, ويمكن إن يقال الأصل في الثاني والخامس واحد, وإنما يختلفان بالتعبير, ويمكن يعبر بدلهما بعنوان الجرح والتعديل(١٨).
ويجدر الإلتفات إلى أمور:
١- إن هذه الأسماء ليست مجرد كتب بل هي علوم واجدة لمقومات العلم بمعناه الفني, والقدماء بل وبعض المتأخرين عنهم كانوا يلتزمون بهذه العناوين في مصنفاتهم, وبذلك يصح الاستدلال من العنوان على المعنون كما في القاموس ووسائل الإنجاب الصناعية للسيد الأستاذ دامت بركاته(١٩), بخلاف المتأخرين فأنهم لا يعتنون بعلاقة العنوان المعروف مع المعنون ولذا لا يصح الاستدلال به عليه.
٢- المقصود من عنوان الرجال المجرد ما كان مبتنياً على الطبقات كرجال البرقي والطوسي, أما عنوان معرفة الرجال أو الممدوحين والمذمومين ما كان على أساس الجرح والتعديل, وعنوان تاريخ الرجال بيان لسيرة الرواة من دون جرح وتعديل وما يتعلق بقبول الرواية وردها, أما عنوان الفهرست فهو لذكر أسماء المصنفين وكتبهم ووصفها كفهرستي الطوسي والنجاشي V, سواء ذكر فيها الطرق إلى أصحاب المصنفات أم لا, في قبال من يرى أن ذكر الطرق من صميم الفهارس علماً إن معالم العلماء وفهرست منتجب الدين من الفهارس مع انه لم تذكر فيها الطرق و عنوان المشيخة فيراد به ههنا بيان الطرق إلى رواة الأحاديث سواء كانوا أصحاب كتب أم لا, وينبغي الالتفات إلى أن المشيخة قد تطلق على كتب الحديث كمشيخة الحسن بن محبوب كما أشار إلى ذلك سيدنا الأستاذ دامت بركاته بقرينة نقل ابن إدريس عنها في مستطرفاته.
٣- أصولنا الرجالية الأربعة كما هو ظاهر من عناوينها ومحتواها بعضها في الطبقات وهو رجال الطوسي, وأما فهرسته فلذكر أصحاب المصنفات وكذا ما يطلق عليه رجال النجاشي كما صرح بذلك في بداية جزئه الثاني, وأما اختيار الشيخ من رجال الكشي ففي الجرح والتعديل(٢٠).
أما الفصول فتقع في توصيف رجال الشيخ الطوسي.
والبحث منهجياً ينبغي أن يُعقد في المؤلِف والمؤلَف, ولكن لما كان المؤلف (شيخ الطائفة المحقة, ورافع أعلام الشريعة, إمام الفرقة بعد الأئمة المعصومين – صلوات الله عليهم أجمعين –, عماد الشيعة الإمامية في كل ما يتعلق بالمذهب والدين, محقق الأصول والفروع, ومهذب فنون المعقول والمسموع, شيخ الطائفة على الإطلاق, ورئيسها الذي تلوى إليه الأعناق) (٢١). فلا حاجة للكلام عن شخصه وجلالة شأنه, كما أن المقصود لنا ههنا أولاً وبالذات هو المؤَلَّف .
وقبل الدخول في البحث تجدر الإشارة إلى أن آلية البحث ستكون من خلال تحليل مقدمة الشيخ لكتابه أولاً, ثم متابعة ما في الكتاب إذ العلاقة بين المقدمة ومحتويات الكتاب أن أحدهما بمثابة القرينة على الأخرى وبالتالي يمثل مضمون الكتاب تأكيداً لما في المقدّمة والتزاماً بها أو أن المقدمة تفسر ما في المضمون أو بالعكس أو يكون عدولاً عما في المقدمة كما صنع الشيخ في التهذيبين أو نسياناً لما التزم به أو نحو ذلك. أما غير المذكور في المقدمة فطريق اكتشافه أما الاستقراء المفيـد للاطـمئنان أو البنـاء على فرضـية نستكشـف صـحتها من قدرتها على تفسير الظواهر المنظورة لها أو أو ...
الفصل الأول
في موضوعه
ذكر الشيخ S في مقدمته لرجاله أنه أجاب إلى (جمع كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن رسول الله e, وعن الأئمة i من بعده إلى زمن القائم g, ثم اذكر بعد ذلك من تأخر زمانه من رواة الحديث أو من عاصرهم ولم يرو عنهم), في هذا المقطع أمران:
الأمر الأول: ذكرنا ان عنوان الرجال المجرد يشير إلى أن الكتاب موضوعه ترتيب طبقات الرواة, وهكذا كتابنا هذا ويشهد لذلك أيضاً هذا المقطع من المقدمة ومضمونه, ويعجبني نقل كلام بعض الفضلاء الباحثين في مجلة تراثنا لكن بتصرف (الشواهد على إن كتاب الرجال هو على الطبقات:
أولاً:ترتيب الكتاب على الأبواب المعنونة بأسماء المعصومين i بحيث جعل لكل معصوم باباً خاصاً به أدرج فيه أسماء الرواة عنه وهذا هو ترتيب الطبقات والشيخ صرح بان رجال البرقي اسمه الطبقات وهو مرتب على السياق الذي ذكرناه.
ثانياً:الشيخ الطوسي في هذا الكتاب يؤكد على أمور لا ثمرة لها الا تعيين الطبقة ويستعمل أساليب وألفاظ خاصة بكتب الطبقات واليك نماذج:
٢- في مواضع يلجأ أحياناً إلى ذكر من روى عن الراوي, هذا في قسم من روى عن أحدهم, أما في قسم من لم يرو فهذا يمثل منهجاً عاماً للشيخ.
٣- تحديد وفيات كثير من الرواة وسني أعمارهم أو من لقوا ومن لم يلقوا من الأئمة i.
٤- يستعمل ألفاظاً خاصة بأصحاب الطبقات مثل لحق, أدرك, عاصر, لقي, بل صرح الشيخ بلفظ الطبقة في مورد من كتابه.
ولا يخفى ان هذا الترتيب يمثل أحد المسالك في طبقات الرواة, وقد اعترض عليه من قبل متأخري المتأخرين وخصوصاً السيد البروجردي S (٢٢), ومحله الفن الثاني الخاص بطبقات الرواة بما لا مجال لتفصيله ههنا.
الأمر الثاني: في بيان المقصود من هذا المقطع.
قسَّم الشيخ S كتابه إلى قسمين:
الأول: يشتمل على أسماء الذين رووا عن رسول الله e, والذين رووا عن الأئمة i من بعده إلى القائم g .
الثاني: ويندرج تحته صنفان:
١- من تأخر زمانه عن المعصومين من رواة الحديث .
٢- من عاصر أحد المعصومين ولكن لم يرو عنه .
الكلام في القسم الأول:
ذُكرت ثلاثة أقوال في من يندرج تحت هذا القسم:
أحدها: أن يكون راوياً عن أحدهم i بالمباشرة ولو رواية واحدة فيندرج تحته من كانت تمام رواياته بالمباشرة أو بعضها, أما من كانت تمام رواياته بالواسطة أو كان معاصراً وملاقياً للمعصوم من دون أي رواية حتى بالواسطة فهو خارج عن القسم الأول, هذا, واختار هذا القول بعض منهم السيد الخوئيS(٢٣).
ثانيها: المعاصر الملاقي الراوي بالمباشرة ولو رواية واحدة أو من ليست له رواية أصلاً حتى مع الواسطة هو من يندرج في القسم الأول هذا, وذهب إليه المحقق التستري وصاحب سماء المقال(٢٤) .
ثالثها: يندرج في هذا القسم من كانت تمام روايته بالمباشرة أو بعضها, أو تمام روايته أو أكثرها بالواسطة وذهب إليه المحقق الداماد(٢٥).
ولا يخفى أن من كانت أكثر روايته بالواسطة يعني أن له روايات بالمباشرة فيجتمع مع القول الأول, أما إذا كانت تمام روايته بالواسطة فانه يفترق عن الأول والثاني ويكون توسعه من جهة أخرى, وعليه في هذا القول شقان على الثاني يكون قولاً برأسه.
والكلام يقع أولاً في بيان أن من يندرج في القسم الأول هو الراوي بالمباشرة اما تمام روايته أو بعضها دون من كان تمام روايته بالواسطة أي في قبال القول الثالث في شقه الثاني.
ويقع ثانياً في بيان أن من يندرج خصوص الراوي دون المعاصر الملاقي من دون أيةِ رواية بالمباشرة أي مقابل القول الثاني في شقه الثاني.
الكلام في الأول: ولإثباته نذكر وجوهاً ثلاثة:
الوجه الأول: ذكر المحقق التستري في الفصل الخامس(٢٦) انه يُفرَّق بين قولهم (فلان عن فلان) وقولهم (روى فلان عن فلان) فإن الأول يستلزم الرواية بلا واسطة وأما الثاني فأعم, والشيخ الطوسي S أحياناً يجعل (روى عن) في قبال (أسند عن) كما في ترجمة غياث بن ابراهيم إذ قال: (اسند عنه وروى عن أبي الحسن g) وأخرى يجعلها بمعنى واحد كما في جابر بن يزيد الجعفي ومحمد بن إسحاق حيث قال: (اسند عنه وروى عنهما) وأحياناً يقول: (سمع منه وروى عنه) والعطف في الأصل يقتضي التغاير كما في ترجمة سعيد بن المسيب, وفي ترجمة اسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: (روى عنه وسمع إياه H) بهذا يتضح أن عبارة: (روى عن فلان) تستعمل في الأعم من المباشرة والواسطة ولكن أكثر استعمالاتها والظاهر منها هو الرواية بالمباشرة إلا إذا قامت قرينة على الخلاف كما فهم ذلك المحقق التستري S (٢٧)من قول النجاشي من أن ابراهيم بن محمد الأشعري قد روى عن الكاظم والرضا H انه يقصد الرواية بالمباشرة ولذا اعترض عليه أنه ليس له رواية عن أحدهما ولا غيرهما من الأئمة مع أن له روايات بالواسطة عن الباقر والصادق والكاظم i, ويشهد لذلك انسباق هذا المعنى من هذه الكلمة فهو الظاهر منها بلا فرق في كون الانسباق حاقياً أم لا, إذ لا ندعي أنها موضوعة للرواية بالمباشرة .
قد يقال حتى لو تم ما ذكرتم الا أن الشيخ استبدل كلمة (روى عن) بكلمة (أصحاب الإمام) بل في المقدمة نفسها ذكر كلمة رجال الأئمة i, وهذا قد يشير إلى عدوله أو أن مقصوده من (روى عن) هو الأعم من أصحاب الرواية والإسناد كما ذهب إلى تفسير الأصحاب بذلك المحقق الداماد في رواشحه .
ولكن هذا ليس بتام إذ المحقق الداماد يوسع دائرة الرواية بالواسطة حتى إلى من لم يدرك عصر المعصوم وسيأتي في الوجه الثاني .
الوجه الثاني: يلزم من اندراج من يكون تمام روايته مع الواسطة في أصحاب أحدهم i أن يكون جميع من يقع في سند الروايات إلى احدهم ممن لم يتأخر عن زمان العسكري g في أصحابهم .
الوجه الثالث: الألفاظ التي تستعمل في تحديد الطبقة وكذا الأوصاف وان كانت نافعة إلا أنه لا تتم هذه المنفعة ولا يتحقق هذا الغرض إلا إذا كان التحديد بالرواية المباشرة إذ أن أهم أغراض تحديد الطبقات الاطلاع على الاتصال والإرسال ولا ينفع في ذلك المعاصرة أو الملاقاة فضلاً عن الرواية بالواسطة خصوصاً إذا تعددت الوسائط إلا مع التنبيه وهذا غير حاصل في رجال الشيخ.
إلى هنا ظهر انه لاندراج احدهم في أصحاب احدهم i لابد له من الرواية بالمباشرة ولو لمرة واحدة .
الكلام في الثاني: للتوسعة التي ادعاها أصحاب القول الثاني تُذكر وجوه:
الوجه الأول: التعبير بالأصحاب – ولعل التعبير بالرجال أيضاً – والتي فسرها المحقق التستري وصاحب سماء المقال(٢٨) بالمعاصر الملاقي سواء روى بالمباشرة أو بالواسطة أو لم يرو أصلاً غايته أن تكون تمام روايته بالواسطة يخرج بما ذُكر في القسم الثاني .
ويجاب عليه: تستعمل مفردة (الأصحاب) بتراكيب متعددة مثل(أصحاب الباقر مثلاً), (أصحابنا),(الأصحاب), (أصحاب الإمام) ونحو ذلك, ويدعى الاستفادة منها في جهات:
الأولى: في الجرح والتعديل كما في الرواشح وغيرها(٢٩).
الثانية: بلحاظ الاعتقاد والتصنيف كما في مقدمة فهرستي الشيخ والنجاشي .
الثالثة: في المقام من أن المقصود بها هل مطلق المعاصرة واللقاء أو خصوص الرواية المباشرة أو الأعم منها ومن الرواية بالواسطة – أي تمام روايته بالواسطة .
وليس أي من هذه الجهات يمثل معناها اللغوي أو العرفي, وكذا ليس لها معنى اصطلاحي, وإنما يحدد المقصود منها بحسب القرائن الحافة بها .
وفي المقام يمكن أن يدعى وجود قرائن على أن المراد بها بمعنى (روى عن) وهي:
١- ما ذكرنا في أولاً في المقصود من (روى عن) فتحمل كلمة الأصحاب عليها.
٢- الشيخ S ذكر في ترجمة أحمد بن إدريس القمي لحقه g ولم يرو عنه, وفي ترجمة الحسين بن الحسن بن أبان أدرك g ولم اعلم انه روى وكذا في ترجمة سعد بن عبد الله(٣٠), فلو كان مقصود الشيخ الأعم من الرواية والمعاصرة واللقاء لما كان وجه لهذا التصريح .
لا يقال: إن هذا التصريح للإشارة إلى العدول إذ انه جاء متاخراً جداً, ولعله بهذا يظهر عدم تمامية ما قد يقال أن الشيخ عدل عما ذكره في المقدمة من خلال استقراء المذكورين في أصحابهم وان بعضهم عاصر الإمام ولاقاه لكن من دون رواية أصلاً إذ لا يكون وجه لهذا التصريح, وكذلك يظهر عدم تمامية ما قد يقال أن تعبيره في الباب الخاص بأصحاب الإمام الحسن g بالأصحاب بعد ما كان يعبر بـ(روى عن) أشارة إلى العدول .
إن قلت: الشيخ في موارد كثيرة عند ترجمة احد أصحاب المعصوم المخصص الباب لأصحابه يذكر انه (روى عنه) (٣١) فلو كان بانياً على الرواية لما كان وجه لهذا التصريح .
وأجيب أن الشيخ أنما يصنع أمثال هذا للتأكيد في تعيين الطبقة .
أقول: وان كان الفارق بين موارد النقض هذه وما ذكرناه في هذه القرينة من جهة تصور التأكيد فيها دون موارد النقض, إلا أن هذه تمثل أحد الإشكالات على الكتاب إذ أنه:
أ- إذا كان قد عقد الأبواب لخصوص من روى عن المعصوم فلماذا يذكر من صرح انه لم يرو عنه أصلاً كأحمد بن إدريس ؟ ولماذا ذكر من لم يعلم أنهم رووا عن المعصوم ؟
ب- بالنسبة لموارد النقض فانه لا معنى لهذا التصريح بعد عقد الأبواب لذكر أصحابهم كما أن هناك كثيراً ممن على هذه الحال ولم يصرح بذلك في ترجمتهم, وأما التأكيد فلا يغفر الخروج عن المنهجة والاقتصار على بعض دون الأخر .
الوجه الثاني: ذكر المحقق التستري S (٣٢) انه يمكن أن يعد الرجل في أصحابهم لكونه معاصرهم ويعده في باب من لم يرو عنهم لكونه لم يرهم ولم يرو عنهم ومثله في كتابه كثير أي بالاستقراء والتتبع يظهر ذلك.
يظهر الجواب عليه مما ذكرناه في الكلام الأول, ثم أن الاستقراء مقابله استقراء آخر, ولعل المحقق التستري ناظر للوجه الثالث.
الوجه الثالث: يمثل اعتبار المعاصرة واللقاء في هذا القسم احد أركان الفرضية التي تحل إشكال التكرار في باب من روى عن احدهم i ومن لم يرو, وحلها دليل صحتها الكاشف عن صحة هذا الركن فيها.
وسيأتي بيان عدم تمامية هذا التوجيه في البحث المعقود لإشكال التكرار هذا.
فظهر أن من يندرج تحت القسم الأول هذا خصوص الراوي بالمباشرة ولو رواية واحدة, وما يذكر من نقص يمثل إشكالاً على الكتاب إذ لم يثبت العدول ولم يثبت أي من القولين الآخرين .
الكلام في الصنف الأول من القسم الثاني:
في مقدمة الشيخ (ثم اذكر بعد ذلك من تأخر زمانه من رواة الحديث) وهذا ظاهر في أن بداية زمان ولادتهم أو سن تحملهم للحديث يكون بعد الإمام العسكري g وفي الغيبة الصغرى وما بعدها, وعليه طبقاتهم محصورة بين هذا التاريخ أي النصف الثاني من القرن الثالث إلى زمان الشيخ الطوسي أي بداية النصف الثاني من القرن الخامس (٤٦٠) هـ .
وهذا الصنف من رواة الحديث فلا مكان لغيرهم فيه, ولتأخر زمانهم لا تتصور لهم رواية بالمباشرة عن واحد من الأئمة i, فإذا كانت لهم رواية عنهم فبالواسطة .
عنوان هذا الباب كما ذكره الشيخ (من لم يرو عن واحد من الأئمة i).
وقد عرفنا أن المعنى الظاهر من (روى عن) هو الرواية بالمباشرة فهي المنفية دون الرواية بالواسطة إذ نفي الأخص وهي الرواية بالمباشرة لا يستلزم نفي الأعم أي مطلق الرواية حتى لو كان بالواسطة فلا تنافي بين كونهم من رواة الحديث وبين من لم يرو عن واحد من الأئمة i.
إن قلت: ذكرتم أن معنى (روى عن) تعني الرواية بالمباشرة وعليه في المقدمة ذكر أن هذا الباب يشتمل على رواة الحديث, وفي عنوان الباب نفى الرواية بالمباشرة وهذا تناقض واضح.
قلت: وان كان الظاهر من رواة الحديث هو الرواية بالمباشرة لكن بقرينة (من تأخر زمانه) نحملها على الرواية بالواسطة فلا تنافي بين المقدمة وعنوان الباب .
إلى هنا ظهر أن هذا الصنف هم الرواة بالواسطة عن المعصومين i.
الكلام في الصنف الثاني من القسم الثاني:
عبارته المقدمة (من عاصرهم ولم يرو عنهم) وعنوان الباب (من لم يرو عن واحد من الأئمة i) .
ظهر مما سبق أن الظاهر كون المنفي هو الرواية بالمباشرة أما مع الواسطة فلا ينفيها ولا يثبتها أي من هاتين العبارتين إلا أن يقال أن سياق المقدمة من التركيز على رواة الحديث إذ أنَّ ذكر هذه العبارة خمس مرات, وكذا كون مقطع المقدمة في سياق رواة الحديث مما ينبه على أن المنظور هو رواة الحديث فيكون المنفي المباشر فتبقى مع الواسطة, وكذا مناسبة طبقات الرواة للرواية دون المعاصرة وغيرها, وهذا كله قرائن على أن مقصود الشيخ من هذا الصنف هم المعاصرون الرواة مع الواسطة أي تمام روايتهم.
فالنتيجة النهائية:
أن القسم الأول هم الرواة بالمباشرة ولو رواية واحدة وان كان بعضهم بالواسطة. أما القسم الثاني فالرواة مع الواسطة أي تمام روايتهم سواء كانوا معاصرين للائمة i ولم يرووا عنهم بالمباشرة أصلاً أو تأخر زمانهم عنهم i.
الفصل الثاني
في المنهج العام الذي اعتمده الشيخ S في تصنيفه لكتابه هذا
ذُكر لذلك مسلكان:
المسلك الأول: يذهب إلى أن منهج الشيخ يعتمد على كتب الحديث فحيثما وجد رواية لراو عن واحد من الأئمة i اثبت اسم ذلك الراوي في باب أصحاب ذلك الإمام g باعتبار روايته عنه وحاول أن يشخصه بما يعرِّفه من مشخصات ومميزات, ويترتب على هذا توفير فرضيات لحل بعض الإشكاليات والظواهر التي تواجهنا في كتاب الرجال هذا, وان هذه الفرضيات لا يمكن الحصول عليها إلا بالرجوع إلى كتب الحديث التي كانت عند الشيخ S إذ انه منها انطلق وإليها رجع.
واختار هذا المسلك سيدنا الأستاذ دامت بركاته وآخرون (٣٣), فبعض الباحثين ذكر انه أحرز هذا المنهج بالتتبع في كتب الحديث المختلفة للخاصة والعامة فوجد فيها أسماء من ذكرهم الشيخ في الرجال بينما لا ذكر لهم في أي كتاب رجالي أخر .
المسلك الثاني: منهج الشيخ S نقل كلمات الرجاليين كما هي, ولهذا يذكر الشخص الواحد بأكثر من عنوان لأجل انه كذلك في كتب الرجاليين المتقدمين, وقد يظهر ذلك من السيد الأستاذ دامت بركاته وان لم يكن واضح الظهور فذكر(٣٤) (ولكن من المعلوم لدى الممارس كثرة وقوع التكرار في رجال الشيخ فانه S كان مقيداً بإيراد جميع العناوين المذكورة في المصادر من الفهارس وأسانيد الروايات التي كانت تحت يده, ولم يكن يعتني بتوحيد ما ينطبق منها على شخص واحد إلا ما كان واضحاً جداً, وقد صنع نظير ذلك في كتابه الفهرست ولذلك وقع فيه من التكرار ما لم يقع في رجال النجاشي) ويناسب هذا المسلك كلام صاحب منهج المقال في ترجمته لحسان بن مهران(٣٥), وما في تكملة الرجال للشيخ عبد النبي الكاظمي(٣٦) وآخرين.
ويجدر الإيعاز إلى أن المقصود في هذين المسلكين ما يمثل المنهج العام عند الشيخ فلا ينافي الاستفادة من كلا المنهجين اعني الرجوع إلى الكتب الحديثية والرجالية. ولكن أيهما المنظور له اساساً فيكون الآخر ثانوياً وتبعياً ويحتمل أن يكون بدرجة متقاربة.
وكل من المسلكين ذكر لمدعاه شواهد, فذكر للمسلك الأول:
١- عند الرجوع إلى الكتب الحديثية من العامة والخاصة نجد فيها الأسماء التي ذكرها الشيخ S في كتابه, وبعضها بنفس العبارة بلا زيادة ولا نقصان.
٢- بعض المذكورين في رجال الشيخ S لا ذكر لهم في أي كتاب رجالي آخر وهذا يعني انه إستفادها من الكتب الروائية.
٣- لما لم يكن عند الأصحاب في هذا الباب إلا مختصرات فلا مناص من الاستفادة من الكتب الحديثية والا فمن أين استقى معلوماته؟
٤- الشيخ كان في مقام بيان رأيه ومعتقده في طبقات الرواة وهذا يحتم عليه الرجوع إلى الكتب الحديثية مضافاً إلى الغاية من البحث الرجالي هو الاستفادة منه في الأبحاث الروائية فلا بد أن يكون نظرة إلى الكتب الحديثية ولا يصح أن يكون بمعزل عنها.
٥- الالتزام بهذا المسلك يوفر الفرضية القادرة على حل بعض الإشكالات والظواهر في هذا الكتاب في حين لا يقدر على حلها المسلك الأخر, وهذا يكشف عن صحة هذا المسلك, من قبيل تكرار الشخص الواحد في الباب الواحد بأكثر من عنوان إذ انه رأى هذه العناوين في الأسانيد فذكرها كما هي, إلى غير ذلك من الشواهد.
أما للمسلك الثاني فذكر:
١- ديباجة الكتاب تفيد أن مصادر الشيخ الكتب الرجالية إذ قال (ولم أجد لأصحابنا كتاباً جامعاً في هذا المعنى إلا مختصرات قد ذكر كل إنسان طرفاً منها, إلا ما ذكر ابن عقدة من رجال الصادق g فانه قد بلغ الغاية ...).
فمن مصادره رجال ابن عقدة, وجمع هذه المختصرات في كتاب جامع, ويشهد لذلك تتبع ما في الكتاب فان التوصيفات التي فيه تناسب الكتب الرجالية دون الحديثية .
إن قلت: لما كانت هذه المصادر مختصرات فمن أين استقى هذه المعلومات؟ ليس إلا من كتب الحديث.
قلت: يبدو أن مقصوده أن هذه المصادر في نفسها مختصرات ولم تكن مستوعبة, لكن بجمعها تمثل كمية كبيرة من المعلومات هي التي دونها الشيخ في كتابه هذا ويشهد لذلك ما ذكره الشيخ في فهرسته مع انه ذكر في مقدمته انه ليس للأصحاب كتاب مستوفى في هذا الباب ذكر أكثر من ٩٠٠ شخصاً, ومثله النجاشي وذكر ١٢٦٩ شخصاً, مع العلم أن موضوع الفهارس لا يتصور فيه الاستفادة من كتب الحديث فضلاً عن أن كتب الطبقات يمكنها الاستفادة من كتب الفهارس والجرح والتعديل والمشيخة, وأيضاً يظهر اعتماد الشيخ على بعض كتب العامة ككتب ابن حبان وابن قتيبة وغيرها .
٢- النسبة بين ما ذكره الشيخ في رجاله وما ذكره في الأسانيد العموم والخصوص من وجه, فلو كان نظره للأسانيد في الكتب الحديثية لكان ما في الأسانيد مساوياً أو اعم مطلقاً مما في رجال الشيخ.
٤- أيضاً توفير فرضية لحل بعض الإشكالات الكاشف – هذا الحل – عن صحة هذه الفرضية المستدعي لتمامية هذا المسلك.
أقول: أما دعوى كل منهما توفير فرضيات لحل بعض هذه الإشكالات فستأتي في محلها لكن موجزاً أقول: أن تكرار الأسماء في أصحاب واحد من الأئمة i أكثر من سبعين مورداً كما ستأتي منها ثمانية موارد بعين العنوان كما لو كان المنظور تكرر العناوين في كتب الأسانيد لكانت أكثر من ذلك بكثير إذ من ذكر له عنوان واحد في رجال الشيخ له عنوانان أو أكثر في أسانيد الروايات, ومن ذكر له عنوانان له أكثر من ذلك ويمكن مراجعة معجم رجال الحديث فانه بلغ الغاية في ذلك.
وأما ذكر الأسماء في الكتب الحديثية بنفس العبائر بلا زيادة ولا نقصان فاعم من المدعى وان صح فانه يصح جزئياً لا كلياً وكون هذه الموارد الجزئية تورث الاطمئنان بهذا المسلك مستبعداً جداً.
وأما بعض المذكورين في رجال الشيخ لا ذكر لهم في أي كتاب رجالي أخر فمن أين لنا الجزم بذلك مع عدم توفر المصادر التي كانت عند الشيخ S؟
وأما بيان رأيه ومعتقده فلا يلزم منه الرجوع إلى الكتب الحديثية كما هو المشاهد في كثير من المصنفات الرجالية التي تعتمد على الأصول الرجالية هذه من دون الرجوع إلى كتب الحديث.
فاتضح أن المنهج العام للشيخ S هو الاعتماد على المصادر الرجالية التي كانت متوفرة عنده. وفي ذيل هذا الفصل أبحاث نعرض عنها الآن.
الفصل الثالث
في إشكاليات وجُهت إلى رجال الشيخ S
التكرار, المقصود من اسند عنه, ومجهول, ومولى, توثيق شخص في مورد وعدم توثيقه في مورد آخر, ذكر الشخص في أصحاب احد الأئمة i وفي ترجمته يقول انه روى عنه أو روى عنه وعن إمام آخر, ونحوها, إشكالات وجهت إلى رجال الشيخ S.
وسنقصر البحث على بعضها فيقع الكلام في جهات:
الجهة الأولى: التكرار واحد من الإشكالات التي تواجه الأصول الرجالية(٣٨), وأكثر موارد التكرار في كتابنا المبحوث عنه هذا. وهو في أربع نواح:
الناحية الأولى: التكرار في أصحاب معصوم واحد.
الناحية الثانية: التكرار في باب من لم يرو.
الناحية الثالثة: التكرار في البابين من روى عن أحدهم i ومن لم يرو.
الناحية الرابعة: التكرار في أصحاب إمامين أو أكثر.
الناحية الرابعة هذه لا مشكلة فيها من جهة التكرار, وإنما المشكلة في عدم تمامية هذا المسلك بلحاظ فن طبقات الرواة وليس هنا محل بيانه.
والناحية الأولى والثانية حسابهما واحد, ولذا الكلام يقع في الناحيتين الأولى والثالثة,وأكثر الناظرين إنما اهتموا بالناحية الثالثة دون الأولى إلا بنحو الإشارة مع أن النظر فيها يلقي بظلاله على الناحية الثالثة.
فالكلام يقع في الناحية الأولى:
عدد الموارد المكررة أكثر من سبعين مورداً . ثمانية منها تكررت بعين عبارتها, وخمسة منها الفارق بينهما مثل (كوفي والكوفي) وما الفارق بينهما مفردة واحدة فقط من لقب أو كنية أو غيرهما ثمانية عشر مورداً والبقية اختلافها أكثر من هذا بقليل والفرضيات التي ذكرت أو يمكن أن تذكر لحل هذا الإشكال هي:
الفرضية الأولى: الغفلة عن العنوان الأول والاشتباه والخطأ.
واختار هذه الفرضية القهبائي S في مجمعه (٣٩)إذ قال (أو فيها وفي (لم) أيضاً على الاشتباه) وذكر(٤٠) أن منشأ هذا الاشتباه هو العجلة الدينية.
واختارها أيضاً السيد الخوئي S(٤١) قائلاً (فان الشيخ لكثرة اشتغاله بالتأليف والتدريس كان يكثر عليه الخطأ),واعتبرها المحقق التستري S(٤٢) أحد مناشئ التكرار .
فإذن الشيخ لأجل العجلة الدينية حيث كان مرجعاً لأهل زمانه من العامة والخاصة والعام والخاص, أكثر من التصنيف في العلوم الدينية المختلفة من فقه وحديث ورجال وأصول وكلام وتفسير وغيرها, بحيث لو قسمت مدة حياته على تأليفاته لكانت حصة كل منها ساعات محدودة, هذا كله إلى جنب أعماله الأخرى من التدريس والإفتاء والقضاء (٤٣) ونحوها.
والشاهد عليه أن مثل هذه الأخطاء حصلت في كتبه الأخرى كالفهرست والتهذيبين, وان التكرار في كتاب الرجال هذا بنواحيه الأربعة يمثل ٢% من مجموعه وهو نسبة مألوفة من الخطأ والغفلة.
وأجيب(٤٤) عنه بوجوه اذكر بعضها بتصرف:
١- الشواهد قائمة على دقة الشيخ S في هذا الكتاب والتفاته الكامل لما وضع فيه.
٢- بعض الموارد لا تتصور الغفلة من الشيخ فيها مما يكشف عن أن له غرضاً علمياً.
٣- وجود الفرضية التي تحل مثل هذه الإشكالية.
ولكن لا تنافي بين الغفلة والدقة, نعم كلما ازدادت الدقة قلت نسبة الخطأ والغفلة, وكما اشرنا أن نسبة التكرار بنواحيه الأربعة تمثل ٢% وهي مألوفة إذ العصمة لأهلها والنسيان فطرة ثانية للإنسان, وأما أن بعض الموارد لا تتصور الغفلة فيها أو وجود فرضية تحل هذه الإشكالية فانه لا يتم في قبال التكرار بعين العبارة .
الفرضية الثانية: ما اختاره السيد البروجردي S قائلاً كما في المنهج الرجالي(٤٥):
(الظاهر انه – أي رجال الشيخ – كان بصورة المسودة وكان غرض الشيخ الرجوع إليه.
ثانياً: تنظيمه وترتيبه وتوضيح حال المذكورين فيه, كما يشهد لذلك الاقتصار في بعض الرواة على ذكر اسمه واسم أبيه مجرداً من دون أن يعرض لبيان حاله من حيث الوثاقة وغيرها.
وكذا ذكر بعض الرواة مكرراً كما يتفق فيه كثيراً على ما تتبعنا, هذا وأمثاله مما يوجـب الظـن الغالب بكون الكتاب لم يبلغ إلى حد النظم والترتيب والخـروج بصورة نهائية) ثم ذكر أن منشأ ذلك ما ذكرناه في الفرضية الأولى .
ويجاب عليه:
١- عرفنا أن عنوان الرجال المجرد أنما يتكفل تحديد طبقات الرواة دون ما يتعلق بالجرح والتعديل, نعم الاقتصار على اسم الراوي واسم أبيه قد لا يعينه والذي لابد منه في تحديد طبقته. إلا أن يكون مشهوراً معروفاً في عصرهم فلا يحتاج أكثر من هذا, ولكن ان تم ففي موارد قليلة مع انه في زرارة ومحمد بن مسلم لم يقتصر على اسمه واسم أبيه .
٢- أشار السيد الأستاذ دامت بركاته(٤٦) إلى أن الإضافة على الكتب بعد الانتهاء من تأليفها أمر متداول بين المؤلفين, ومنهم الشيخ الطوسي S وذكر شواهد لذلك, هذا بالنسبة لأصل المراجعة والإضافة عند الشيخ, وأما في خصوص الرجال والفهرست ذكر (انه يحتمل أن يكون بعض الاختلافات بين نسخ الفهرست وكذلك بين نسخ الرجال في الاشتمال على بعض الفقرات من التوثيق أو غيره – مما أُشير إليه في الطبعات المحققة من الكتابين – ناشئاً من إدخال الشيخ S بعض الإضافات عليها بعد الانتهاء من تأليفها وانتشار نسخهما فتدبر) انتهى كلام الأستاذ دامت إفاداته.
ولما كانت هكذا مراجعات متحققة فان هذا يبعد بقاءها مسودة.
ولكن المراجعة والإضافة لا تنافي بقائها مسودة – بمعنى أنها تحتاج إلى المراجعة والتحقيق – إذ قد تكون لبعض الموارد دون تمام الكتاب وهو الذي ينسجم مع أعماله الجسيمة. فضلاً عن أن بعض الأمور فيه يناسب كونها مسودة من قبيل الذكر بالعبارة نفسها إذ المسودة لا يرعى فيها الدقة كما في النسخة النهائية ومن قبيل ذكره للراوي في أصحاب احدهم i ومع ذلك يذكر في ترجمته انه روى عنه, أو روى عنه وعن أبي عبد الله مثلاً, مع انه عقد باباً لأصحاب أبي عبد الله g. وهذا الأخير لا يناسب الغفلة بل المسودة ويكون مرجحاً لها, نعم لا مانع من كونه مسودة ومشتمل على الغفلة.
الفرضية الثالثة: عدم تفطنه للاتحاد بسبب اختلاف تعبيرهم وتغير لفظ العنوان أو كون صاحب هذه الكنية صاحب ذاك الاسم, ذكره المحقق التستري S على انه احد مناشئ التكرار.
وهذا لا مانع منه في الجملة لا بالجملة إذ كيف يفسر تكرار الاسم بعين العبارة.
الفرضية الرابعة: عادة الشيخ النقل من المصنفات الرجالية كما هي وان احتمل الاتحاد.
ولكن ينقض عليها بتكرار الاسم بعين العبارة فانه يناسب الاطمئنان بالاتحاد.
الفرضية الخامسة: منهج الشيخ الاعتماد على الكتب الحديثية فيذكر الاسم كما هو وان لزم التكرار, وقد ظهر الجواب عنه مما مضى.
ويبدو أن الجواب الصحيح كمنهج عام دائر بين الفرضية الأولى والثانية, وفي الكتاب ما يؤيد كل منهما, نعم فرضية المسودة تشمله الغفلة أيضاً مع التساهل تجاه الأمور الفنية والمنهجية, وكأن ظاهرة المسودة عند الشيخ S – بمعنى أنها تحتاج إلى المراجعة والتحقيق – تمثل تفسيراً عاماً يلجأ إليه الباحثون في تراث الشيخ S كما في المقام واختيار الكشي(٤٧). ولا يخفى أنّه لا يمنع أن تكون الفرضية الثالثة منشأ للتكرار في بعض الموارد أيضاً .
الناحية الثالثة: التكرار في بابي: من روى عن أحدهم i, ومن لم يرو عنهم i.
وهنا أمران:
الأول: في بيان أن المقطع المذكور في ديباجة الشيخ S على التفسير المختار بل على الاحتمالات الثلاثة يستلزم التناقض فيما لو تكرر الراوي في كلا البابين. إذ على الاحتمال الأول يلزم اجتماع الرواية بالمباشرة وكون تمام الروايات بالواسطة.
وعلى الاحتمال الثاني يلزم اجتماع المعاصرة والملاقاة بدون أي رواية بالمباشرة أو بالواسطة وكون تمام الروايات بالواسطة.
أما على الاحتمال الثالث فيلزم اجتماع الرواية بالمباشرة أو بالواسطة وعدم الرواية أصلاً.
الثاني: عدد المذكورين في كلا البابين ٦٦ مورداً, وهذا العدد كان مع الأخذ بنظر الاعتبار النسخ المختلفة فليس عليه اتفاق في تمام النسخ, هذا ومن جهة أخرى أن ابن داود S في رجال صرح مراراً أن عنده نسخة من رجال الشيخ بخط الشيخ نفسه لم يذكر فيها بعض ما كرر في البابين, وهذا يعني أما انه من إضافات الشيخ كما عرفنا ولم تكن مذكورة في النسخة التي عند ابن داود أو من النساخ أو من أخطاء ابن داود كما هو المعروف عن رجاله.
وتجدر الإشارة إلى أن تحديد عدد المذكورين في البابين يساعد على اختيار الفرضية المناسبة لحل هذه الإشكالية كما لا يخفى.
ولرفع هذا التناقض ذُكرت فرضيات عدة نذكر أهمها:
الفرضية الأولى: الالتزام بتعدد الراوي وذهب إليها ابن داود في ترجمة القاسم بن محمد الجوهري (٤٨) إذ قال: (...فالظاهر انه غيره والأخير ثقة) وذكر في ترجمة حمدان بن سليمان(٤٩) (... وهذا – أي ذكره في باب لم – مناقض لكونه روى عن الهادي والعسكري h إلا أن يكون غيره) فكأنه لم يستظهر التعدد بل ذكر قضية تعليقية لا غير, وفي ترجمة أحمد بن عمر الخلال(٥٠) استظهر التعدد إذ قال (... فابن الخلال بالمعجمة ضا والذي بالمهملة لم) .
يبدو أن ابن داود اعتمد في ترجمة القاسم بن محمد الجوهري لإثبات التعدد على ظاهرة كلام الشيخ إذ تباين البابين يقتضي تغاير المذكورين فيهما, ولكن لا يظهر انه اعتمد هذا الوجه كتوجيه مطرد وإلا لاعتمده في الآخرين, نعم في أحمد بن محمد الخلال وان كان يبدو أن استظهار التعدد لأجل اختلاف اللقب إلا انه من المحتمل أن الالتزام باختلاف اللقب لأجل ظاهر كلام الشيخ S, لكنه لم يلتزم بالتعدد في حمدان بن سليمان.
أياً كان هذه الفرضية لا يمكن الالتزام بها كلياً للقطع أو الاطمئنان بعدم تعدد بعض المذكورين في كلا البابين.
الفرضية الثانية: الالتزام بوحدة الراوي فهي على عكس الفرضية الأولى – وهكذا سائر الفرضيات الأخرى أي أنها ترى وحدة الراوي – ويكون التكرار لاختلاف الاعتبار فمن جهة كون الراوي معاصراً لأحدهم i يذكر في أصحابه, ومن جهة انه لم يلقه ولم يرو عنه بالمباشرة بل تمام روايته بالواسطة يذكر في باب من لم يرو عنهم, ويترتب على هذه الفرضية أن مجرد ذكر الشيخ لراوٍ في أصحاب احدهم i لا يعني روايته عنه – أي بالمباشرة – بل اعم منها ومجرد المعاصرة, نعم إذا لم يذكر في باب من لم يرو فانه يعني روايته عنه بالمباشرة, وهذا يستدعي أن المعاصر لأحدهم غير الراوي أصلاً – بالمباشرة والـواسـطة – لا يـذكـر في أصحـابـهم ولا في بـاب من لم يـرو عنـهم, واختـار هذه الفرضية المحقق التستري(٥١) وآخرون.
ويجاب عن هذه الفرضية بوجوه:
الأول: مضى في الأمر الثاني من الفصل الأول أن الصحيح فيما يذكر في القسم الأول هو الرواية بالمباشرة فبدونها لا مكان للراوي فيه.
الثاني: الشيخ S كما اشرنا ذكر بعض المعاصرين للائمة i وصرح بعدم روايتهم عنهم أي بالمباشرة, فمن اللازم التصريح أيضاً في هذه الموارد لوحدة الاعتبار إذ الجميع معاصر غير راو بالمباشرة.
الثالث: بعض المذكورين في البابين له روايات بالمباشرة عنهم i في حين ترى هذه الفرضية أن هؤلاء تمام رواياتهم بالواسطة, مثل احمد بن عمر الخلال, وبكر بن محمد الأزدي وآخرين.
الفرضية الثالثة: الالتزام أيضاً بوحدة الراوي ولكن لتنوع رواياته إلى روايات مع الواسطة وأخرى بدونها, فيذكر بالاعتبار الأول في باب من لم يرو, وبالاعتبار الثاني في أصحاب أحدهم i, وذهب إلى هذه الفرضية الفاضل المامقاني S قائلاً (أن الرجال أقسام:
١- فقسم منهم يروي عن الإمام دائماً بغير واسطة.
٣- وقسم منهم له روايات عن الإمام بلا واسطة وروايات عنه بواسطة غيره فالذي يذكره الشيخ في باب من روى عن أحدهم i تارة, وفي باب من لم يرو عنهم أخرى يشير بذلك إلى حالتيه ..) (٥٢)
ويجاب عنها بوجوه:
الأول: مضى أن ظاهر كلام الشيخ S أن من كانت له رواية واحدة بالمباشرة لزم ذكره في القسم الأول فحسب أي باب من روى عن احدهم i وان كانت له روايات بالواسطة أما باب من لم يرو فالمذكور فيه من كانت تمام روايته بالواسطة.
الثاني: لازم هذه الفرضية أن يعد جل أصحابهم i -إنْ لم نقل كلهم- في من لم يرو عنهم لأنهم كذلك رووا عن غيرهم من باقي أصحابهم(٥٣).
الفرضية الرابعة والخامسة والسادسة:
الغفلة والمسودة, وعدم تفطنه للاتحاد كما مضى.
ويبدو أن الصحيح هو نفس ما ذكرناه في الناحية الأولى.
الجهة الثانية: أورد الشيخ S في عدة موارد بعد ذكر شخص في أصحاب الباقر والصادق والكاظم والرضا والهادي i وصفاً بجملة (اسند عنه) وقد اختلف في المراد فيها وفي هيئتها فقرئت بصيغة المعلوم وأخرى بصيغة المجهول, وكذا اختلف في أنها مدح أو ذم, ونحن سنذكر في جملة واحدة المهم من الفرضيات التي قيلت في بيان المقصود منها, وكذا ما قيل بإفادة بعض هذه الفرضيات المدح أو الذم تجنباً عن التكرار.
الفرضية الأولى: تقرأ الجملة بصيغة المعلوم ويكون الضمير في (عنه) راجعاً إلى المعصوم g ويكون المراد منها أن من قيلت في حقه قد روى عن المعصوم g مع الواسطة فهو من أصحاب الرواية بالإسناد, وذهب إليها المحقق الداماد في رواشحه(٥٤) وتبعه آخرون, ولما اختلف في فهم كلامه فالمناسب ذكره لنرى المقصود منه, قال (...قد أورد الشيخ في أصحاب الصادق g جماعة جمة أنما روايتهم عنه g بالسماع من أصحابه الموثوق بهم, والأخذ من أصولهم المعول عليها, ذكر كلاً منهم وقال: (اسند عنه) فمنهم من لم يلقه ولم يدرك عصره g ومنهم من أدركه ولقبه ولكن لم يسمع منه رأساً أو إلا شيئاً قليلاً).
وقد ذكر فهمان لكلامه هذا:
الأول: أن أصحاب الرواية بالإسناد تمام روايتهم عن المعصوم بالواسطة.
الثاني: أن لهم روايات بالواسطة وأخرى بالمباشرة.
والصحيح هو الفهم الأول لمكان الحصر وتوصيفهم بأنهم لم يلقوا الإمام ولم يسمعوا عنه فضلاً عمن لم يدرك عصره g. وأما قوله (أو الا شيئاً قليلاً) فهو ملحق كما يومئ إليه كلامه.
أياً كان فقد ذكر السيد الخوئي S(٥٥) أن هذا المعنى هو الظاهر في نفسه وهو الذي تعارف استعماله فيه فيقال: روى الشيخ الصدوق بإسناده عن حريز مثلاً, ويراد به انه روى عنه مع الواسطة.
ولكن هذه الفرضية ليست تامةً من وجوه:
الأول: ظهر مما سبق أن القسم الأول لذكر من يروي عن أحدهم بالمباشرة ولو رواية واحدة أما من تكون جميع روايته عنهم i مع الواسطة فمكان
القسم الثاني لا الأول, ولو تنزلنا وقلنا أن من يذكر في القسم الأول ويوصف بجملة اسند عنه تكون بعض روايته بلا واسطة وبعضها مع الواسطة أو قلنا جميع روايته مع الواسطة فانه يلزم الأول ذكر هذا الوصف لكثير من الرواة إذ لهم روايات مع الواسطة وأخرى بدونها, وأما الثاني فهو يتنافى مع كون عدد من هؤلاء له روايات كثيرة بالمباشرة كالحسين بن أبي حمزة الليثي والحسين بن عثمان شريك وغيرهم.
الثاني: ساوى الشيخ بين تعبير الإسناد والرواية في بعض هذه الموارد كجابر بن يزيد الجعفي ومحمد بن إسحاق إذْ قال (اسند عنه وروى عنهما) أي الباقر والصادق H, وقد يقال أن مثل هؤلاء لهم روايات مع الواسطة وأخرى بدونها, ولذا عبر الشيخ هكذا, أما من وصفه بجملة اسند عنه فقط فجميع روايته مع الواسطة, إلا أن هذا التفكيك لم يذهب إليه احد ويظهر الجواب عنه بما ذكرنا.
الفرضية الثانية: تُقرأ بالمجهول ويكون الضمير في (عنه) راجع إلى الراوي ويكون المراد منها أن صاحب الترجمة قد روى عنه الشيوخ واعتمدوا عليه فيكون بمنزلة التوثيق وذهب إليه العلامة محمد تقي المجلسي S كما في فوائد الوحيد البهبهاني(٥٦) المطبوعة في آخر رجال الخاقاني.
ولكن ما أفاده لا يمكن المساعدة عليه.
أما من جهة المقصود من هذه الجملة فلأنه:
٢- يلزم ذكر هذا الوصف للكثير من أصحاب الصادق gوغيره لانطباق هذا المعنى أي ممن روى عنه الشيوخ فلماذا خصه بهؤلاء دون غيرهم.
وأما من جهة أنها كالتوثيق ففي إفادتها التوثيق احتمالان:
الأول: إن وصف (الشيوخ) للذين رووا عمن وصف بجملة (اسند عنه) يفيد المدح أو التوثيق لهم كما هو احد الأقوال فيه, وبالتالي يكون توثيقاً من معلوم الوثاقة وان كان مجهول الشخص.
الثاني: إن من وصف بجملة (اسند عنه) روى عنه الشيوخ حتى ظهرت واتضحت وثاقته لبعد اتفاقهم الاعتماد على من ليس بثقة أو بعد الاتفاق على كون جميعهم ليسوا بثقات .
وكلا الاحتمالين لا يفيد التوثيق:
أما الأول فلعدم إفادة وصف الشيخ المدح أو التوثيق من دون إضافة كشيخ الطائفة مثلاً مضافاً إلى أن أهم الاتجاهات في إفادة اعتماد الشيخ على شخص والرواية عنه التوثيق أو المدح هي:
أما انه لا يفيد التوثيق أو المدح أصلاً أو يفيده لكن إذا حُمِلَ هذا الشيخ على بعض الخصوصيات ككونه يشترط وثاقة المروي عنه أو يطعن في الرواية عن المجاهيل وأنى لنا أثبات هذه الخصوصيات لهؤلاء الشيوخ مع كون أشخاصهم مجهولة لنا .
وأما الاحتمال الثاني فهو يقتضي معروفية ومشهورية الموصوفين بجملة اسند عنه مع أن بعضهم من المجاهيل وغير المعروفين.
الفرضية الثالثة: ذكر المحقق التستري: (.. وحققنا أن المراد به –أي اسند عنه– الراوي الذي ينتهي السند إليه بلا شريك له, ويأتي في عنوان مسلم بن خالد..)(٥٧) .
وفي ج١٠ (٥٨) في عنوان مسلم بن خالد (...أقول: روى الكنجي الشافعي ميلاد أمير المؤمنين g بإسناده قائلاً تفرد به مسلم بن خالد الزنجي ) وذكر أيضاً (...ولابد أن مراد الشيخ في الرجال بقوله (اسند عنه), احد أخباره) .
ومحصله: أن مراد الشيخ بقوله (اسند عنه) أي روي عنه احد الأخبار التي تفرد بها ولم يروها غيره, ومن البعيد أن يكون مقصوده التفرد بالسند بل التفرد بالرواية.
لكن في ج٩(٥٩) قال: (...ثم يمكن أن يكون مراد الشيخ في الرجال بقوله (اسند عنه) رواية العامة...) .
أقول: في مجموعة كلماته هذه احتمالات:
١- أن نحمل بعضها على بعض فيكون مقصوده أن من وصف بجملة (اسند عنه) روى العامة عنه حديثاً أو أحاديث تفرد بها.
٢- انه عدول عما ذكره في ج١ إلى ما ذكره في ج٩, وعندما جاء ج١٠ نسي ما ذكره في ج٩.
٣- تذبذب بين ما ذكره في ج١ وج١٠ وما ذكره في ج٩.
أياً كان فقد ظهر أن صيغة المجهول أثقل من صيغة المعلوم, ثم أن ما ذكره من قرائن سواء في ترجمة مسلم بن خالد أو في ترجمة محمد بن مروان لا تحصِّل الاطمئنان بهذه الفرضية في هذين العنوانين فضلاً عن جميع من وصف بجملة (اسند عنه).
الفرضية الرابعة: تُقرأ بصيغة المعلوم ويرجع الضمير في (عنه) إلى الراوي, وفاعل اسند هو احمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة, وهذا يعني أن هذا الراوي ذكره ابن عقدة في رجاله الموضوع لذكر أصحاب الصادق g.
فقد ذكر العلامة في الخلاصة(٦٠): (له كتب ...منها: كتاب أسماء الرجال الذين رووا عن الصادق g أربعة آلاف رجل واخرج لكل رجل الحديث الذي رواه).
وهذا المقدار في تفسير هذه الجملة اتفق عليه المحدث النوري(٦١),ومعاصره السيد الصدر(٦٢) الذي ذكر بياناً في مقدمات أربع كان نتيجتها هذا التفسير.
ولكن ذهب الثاني إلى أنها – أي هذه الجملة – لا تفيد المدح والتوثيق, أما الأول فذكر أن كتاب ابن عقدة هذا موضوع لذكر الثقات من أصحاب
الصادق g, ولما كان من مصادر الشيخ S كما في مقدمته فقد أورد كل شخص ذكره ابن عقدة في كتابه ووصفه بجملة (اسند عنه) فيكون موثقاً بتوثيق ابن عقدة.
وهذا الذي ذكر لا يمكن الاعتماد عليه, أما من جهة المقصود بهذه الجملة فانه:
١- لا قرينة على كون فاعل اسند هو ابن عقدة, وذكر الشيخ إياه في المقدمة لا يسوغ الرجوع إليه كما هو واضح.
٢- من وصفهم الشيخ بهذه الجملة في أصحاب الإمام الصادق لا يزيد عددهم عن (٣٠٥) شخص, والحال أن كتاب ابن عقدة كما وصفه الشيخ في المقدمة قد بلغ الغاية في ذلك ولم يكن من المختصرات,وظاهر الشيخ انه يذكر جميع من ذكرهم ابن عقدة, وهذا يعني أن عددهم أكثر من ذلك بكثير.
وقد أجيب كما في نهاية الدراية أن من ذكرهم الشيخ هم من كانت روايتهم عن الصادق g مسنده من ابن عقدة, وأما البقية من أصحاب g فلم يرو عنهم ابن عقدة في كتابه بل أورد رواياتهم مرسلة.
وهذا الجواب ليس بتام, إذ من أين لنا العلم أن ابن عقدة هكذا صنف كتابه أي ذكر فيه روايات مرسلة وأخرى مسندة منه, فضلاً عن انه ذكر في ترجمته انه روى جميع كتب أصحابنا وصنف لهم وذكر أصولهم وكان حفظةً, ويُحكى عنه انه قال: أحفظ مائة وعشرين ألف حديث بأسانيدها واذاكر بثلاثمائة ألف حديث, ومع هذا لم تكن له روايات مسنده إلا عن هذا العدد المحدود من أصحاب الصادق g, فهذا مطمئن بل مقطوع بخلافه.
وأما من جهة افادتها التوثيق: فانه لا دليل على تخصيص ابن عقدة رجاله هذا بذكر الثقات من أصحاب الصادق g وسيأتي ذكره في البحث المعقود للجرح والتعديل في رجال الشيخ S.
الفرضية الخامسة: تُقرا بصيغة المعلوم ويكون فاعل (اسند) هو الراوي, والضمير في (عنه) يرجع إلى الإمام, ويكون المقصود أن هذا الراوي روى عن الإمام حديثاً أو ازيد مسنداً إلى النبي e أو الإمام علي g.
حكى هذه الفرضية وأوضحها السيد الأستاذ دامت بركاته عن مجلس سيد مشايخنا السيد السيستاني مد ظله(٦٣) .
والدليل على تمام هذه الفرضية يتألف من مقدمات ثلاث:
المقدمة الأولى: وهي من شقين:
أ- قرائتها بصيغة المعلوم وان فاعل أسند هو الراوي ورجوع الهاء في عنه إلى الإمام, وقد مضى ما يؤيد ذلك.
ب- استعمال هذا التعبير في اسند عن النبي e أو الإمام علي g.
ذكر السيد الأستاذ دامت بركاته(٦٤): أن الفعل (اسند) متعدياً بحرف الجر (عن) مما يتداول استخدامه في كلمات الجمهور والذي لاحظته بالتتبع أنه على ثلاثة أنحاء:
النحو الأول: أسند فلان عن فلان ويراد به روى عنه بالمباشرة ومن هذا القبيل ما ورد بشان صحابة النبي e كقولهم ( اسند عبد الله بن زيد عن رسول الله هذا الحديث).
النحو الثاني: أسند فلان عن فلان ويراد به أنه روى عنه مسنداً لا مرسلاً وذلك حينما يكون بينهما فاصلة بطبقة أو أزيد كقولهم (اسند البخاري ومسلم عن النبي e).
النحو الثالث: أسند فلان عن فلان ويراد به روى عنه حديثاً أو أكثر مسنداً إلى النبي e أو إلى أمير المؤمنين g أو إلى بعض الصحابة. ولعل من ذلك قول بعضهم ولا اعلم أحداً من رواة الموطأ عن مالك اسند عنه هذا الحديث) ويقصد حديث (لا يمنع نقر بئر) فانه قد ورد هذا الحديث في الموطأ عن عمرة بنت عبد الرحمن عن رسول الله e وهو مرسل لان عمرة لم تدرك النبي e.
المقدمة الثانية: هذا المعنى – أي الرواية عن الإمام مسنداً إلى النبي أو الإمام علي – حاصل في جملة ممن وصف بعبارة (اسند عنه) من قبيل محمد بن الإمام الصادق ومحمد بن ميمون التميمي الزعفراني, وحفص بن غياث, ومحمد بن مسلم بن رباح وغياث بن ابراهيم الاسدي, وموسى بن ابراهيم المروزي ويزيد بن الحسن وآخرين.
المقدمة الثالثة: ما اتضح في المقدمتين يحتمل أن يكون هو مقصود الشيخ من تعبير (اسند عنه) ويحتمل أن يكون اتفاقاً وصدفة, وهنا نعتمد حساب الاحتمالات إذ كلما ازداد العدد بالقياس إلى ٣٦١ كان استبعاداً للصدفة وفي جنب هذه الفرضية والعكس بالعكس, وهذا يحتاج إلى استقصاء ومتابعة.
ذكر السيد الأستاذ دامت بركاته أن هذه الفرضية هي الأحرى بالقبول وان كان يصعب الاطمئنان إليها أيضاً أي كباقي الفرضيات.
الجهة الثالثة: وصف الشيخ في رجاله بعض الرواة بـ(المجهول) فما مقصوده منه ؟
وصف المجهول له معنى لغوي وآخر اصطلاحي, ويوصف به الخبر والراوي.
وهذا الوصف مر بمراحل وإطلاقات(٦٥) والمهم معناه عند الشيخ في رجاله, والاحتمالات ثلاثة:
الأول: مجهولية الصحبة أو الرواية.
لا يمكن قبوله, أما كونه مجهول الصحبة فيستلزم أنه مجهول الرواية بالمباشرة إذ نفي الأعم يستلزم نفي الأخص فلا يصح ذكره في القسم الأول, وأما كونه مجهول الرواية بالمباشرة فانه لا يكفي لذكره في القسم الأول إذ ظاهر كلام الشيخ احراز الرواية بالمباشرة, زيادة على أنه صرّح في مثل هذه الموارد انه لم يرو عن الإمام أو لا يعلم انه يروي عنه فما المبرر لاختلاف التعبير؟
الثاني: مجهولية الحال من غير الوثاقة والضعف والصحبة والرواية.
ويرده أن الأحوال الأخرى غير الطبقة ليست مقصودة للشيخ في هذا الكتاب إلا للتعيين والتمييز, وبعض من الموصوفين بهذا الوصف متعين بالمقدار نفسه المذكور لتعيين كثير من أوردهم الشيخ S في رجاله, فلماذا أشار إلى ذلك في خصوص هؤلاء دون غيرهم.
مضافاً إلى ان من المطمئن به أن معظم الذين أوردهم في كتابه لا يعرف أحوالهم فلماذا لم يصفهم بهذا الوصف.
الثالث: المجهولية من جهة الوثاقة والضعف فيكون احد ألفاظ الجرح والذم. واختاره المحقق التستري S والسيد الأستاذ دامت بركاته(٦٦).
وقد يقال أن ألفاظ الجرح والتعديل مع إفادتها تينك الصفتين فأنها قد تفيد حيثيات أخرى وهنا نسأل: لماذا عبَّر بهذه الكلمة دون بقية التعابير والتي هي أكثر استعمالاً في هذه الموارد وماذا يحوي هذا التعبير؟
أجاب السيد الأستاذ دامت بركاته انه لا يبعد إن يكون المراد بـ (المجهول) هو الذي تتضارب بشأنه مؤشرات الوثاقة والضعف ولذلك لا يمكن البناء على وثاقته ولا على ضعفه أي من المؤكد إن الشيخ لا يعرف كثيراً ممن أوردهم في كتابه
وبهذا يندفع ما قد يقال إن الجهل بالوثاقة والضعف كالجهل بالأحوال الأخرى فلماذا خص هؤلاء بهذا الوصف دون غيرهم.
والفارق بين الاحتمال الثاني والثالث ان الأخير يصلح للمعارضة فيما إذا ورد توثيق للموصوفين بالمجهول دون الثاني.
الفصل الرابع
في الجرح والتعديل في رجال الشيخ
رجال الشيخ موضوعه طبقات الرواة وليس الجرح والتعديل إلا أنه ذكر أحياناً ما يتعلق به, وحاول البعض استفادة ذلك من تعابير ليست ظاهرة في الجرح والتعديل كجملة (اسند عنه) و(مجهول) وبعض آخر حاول استفادة توثيق عام لأصحاب الصادق g وما يمكن إن يطرح في هذه الجهة الخاصة بالجرح والتعديل أبحاث:
الأول: في ألفاظ الجرح والتعديل التي وردت في كتاب الرجال هذا ودلالاتها وما يتعلق بها ولكن لما لم يكن للشيخ في رجاله أو بقية كتبه اصطلاح خاص في ألفاظ الجرح والتعديل فلا يصلح أن يكون بحثاً خاصاً برجاله أو مبدءاً مشتركاً لمصنفاته الرجالية بل هو من المباحث العامة لعلم الجرح والتعديل, ولعل المناسب أن يذكر معجماً تعدد فيه هذه الألفاظ ويبحث عن دلالاتها وحدودها.
الثاني: في اعتبار توثيقات الشيخ وتضعيفاته, وهذا البحث لعل المناسب ذكره في عموم المعلومة الرجالية المستفادة من الشيخ سواء كانت في الجرح والتعديل أو الطبقة أو تمييز المشتركات أو غيرها, ويذكر معه حيثيات أخرى من قبيل ان اخباره عن حس أو حدس وغيرها فيكون بحثاً عاماً ومبدءاً مشتركاً يتطرق له قبل الدخول في خصوصيات مصنفاته الرجالية الثلاثة.
الثالث: وثاقة جميع أصحاب الإمام الصادق g في رجال الشيخ.
إلى غيرها من الأبحاث.
ويقع الكلام في هذا الفصل عن وثاقة أصحاب الأمام الصادق g في رجال الشيخ, ويمكن أن يذكر لذلك وجهان:
الوجه الأول: ويتألف من مقدمتين:
الأولى: كتاب الرجال لابن عقدة والذي ذكر فيه من روى عن أبي عبد الله g يشتمل على (٤٠٠٠) راو جميعهم ثقات.
الثانية: أصحاب الصادق في رجال الشيخ ليس إلا المذكورين في كتاب ابن عقدة لا غير.
فتكون النتيجة ان أصحاب الصادق ثقات بتوثيق ابن عقدة.
دليل المقدمة الأولى كلام الشيخ المفيد S في الإرشاد وتفسير ابن شهر آشوب في المناقب له من انه يقصد كتاب ابن عقدة هذا, ويجدر الالتفات إلى إن كلام ابن شهر آشوب يمكن أن يكون في نفسه – لا من جهة انه تفسير لكلام المفيد – دليلاً على هذه المقدمة فان توثيقاته وتضعيفاته عن حس لا عن حدس كما ذكر ذلك السيد الخوئي S.
ودليل المقدمة الثانية ما ذكره الشيخ في مقدمته إذ قال (...وأنا اذكر وأورد بعد ذلك ما لم يذكره ) وهو نص على ذكره في باب أصحاب الصادق g جميع ما في رجال ابن عقدة, وقوله: (أورد بعد ذلك ...) أي من رجال باقي الأئمة i (٦٧).
ولكن لا يمكن المساعدة على كلتا المقدمتين:
١- أن الشيخ المفيد يقصد من كلامه ابن عقدة ولذا فسره في المناقب بذلك.
٢- أن ابن شهر آشوب يخبر بذلك بقطع النظر عن كونه تفسيراً لكلام الشيخ المفيد وهو محتمل الإخبار الحسي في حقه.
٣- أن رجال ابن عقدة متوفر على أمرين: العدد وهو (٤٠٠٠) راو, ووثاقتهم جميعاً.
أما الأول فلا دليل عليه.
وأما الثاني فليس إلا حدساً واجتهاداً من ابن شهر آشوب بشهادة إن الشيخ لم يذكر هذا العدد مع إن المناسبة تقتضي ذلك جداً إذْ وصف المصنفات الرجالية لأصحابنا بالمختصرات إلا كتاب ابن عقدة فانه بلغ الغاية فكان ذكر العدد مناسب جداً خصوصاً إذا كان بهذه المعروفية التي ادعى إشارة المفيد إليها وتصريح ابن شهر آشوب بها.
مضافاً إلى إن النجاشي مع انه أكثر النقل عن ابن عقدة لم يشر إلى هذا الأمر فضلاً عن أنهم لم يذكروا ذلك في ترجمة ابن عقدة.
وأما الثالث والذي هو بعد التنزل عن الأولين فانه لا يمكننا الوثوق بهذه الدعوى, أما العدد فان ما ذكر في رجال الطوسي لا يزيد على (٣٢٣٦) على أكثر التقارير – بل في الفائق في أصحاب الإمام الصادق g للشبستري والذي جمع حتى غير المذكورين في رجال الشيخ فلا يزيد العدد عن (٣٧٥٩) – مع أن من مصادره رجال ابن عقدة مع زيادات ابن نوح عليه التي وصفها النجاشي بالمستوفى(٦٨), والشيخ في الفهرست(٦٩) انه زاد على ما ذكره ابن عقدة كثيراً
ومصادر أخرى كثيرة فهو بمثابة جمع الجوامع في ذلك, وتعهد الشيخ في المقدمة بالاستيفاء وبذل الجهد بحيث لا يشذ إلا النادر فكيف يكون عدد رجال ابن عقدة (٤٠٠٠)؟ بل هو أقل من هذا بكثير.
أما بالنسبة للوثاقة فالمقصود أما أن جميع أصحاب الصادق هم (٤٠٠٠) وجميعهم ثقات, وأما أنهم أكثر من ذلك لكن الثقات منهم (٤٠٠٠).
ويرد على الأول أنَّ الشيخ ضعّف ووثق بعض المذكورين في أصحاب الصادق g وهذا لا ينسجم مع بنائه على إن المذكورين جميعهم موثقون بتوثيق ابن عقدة إذ المناسب اكتفائه بتوثيق ابن عقدة وعدم وجود ضعيف بينهم.
وعلى الثاني لا فائدة منها بعد عدم وجود ما يشخص الثقات منهم.
فالحاصل إن المقدمة الأولى لا يمكن قبولها.
وأما المقدمة الثانية فحق العبارة هكذا (فانا ما ذكر ابن عقدة من رجال الصادق g , وأورد من بعد ذلك ما لم يورد ابن عقدة).
قوله (من بعد ذلك) ضمير ذلك إلى ماذا يرجع بحسب القواعد العربية؟
إما يرجع إلى البعيد لأنه اسم إشارة للبعيد, أو يرجع إلى مصب الكلام ومحوره, وكلام المحدث النوري يتم إذا رجع إلى رجال الصادق g والحال انه قريب لا بعيد, كما إن مصب الكلام يناسب أن يكون هكذا (وأورد من بعد ما ذكره ما لم يورده) شاملاً لأصحاب الصادق g وغيرهم.
وعليه ما رامه المحدث النوري S ليس صحيحاً.
الوجه الثاني: ما ذكره الحر العاملي S في أمل الآمل كما في المستدرك(٧٠), ويتألف من مقدمتين:
الأولى: أخذ كلام المفيد في نفسه ومن دون إرجاعه إلى انه يريد كتاب ابن عقدة فيكون مقصوده إن الثقات من أصحاب الصادق g (٤٠٠٠) أما أنهم تمام أصحابه أو بعضهم فمسكوت عنه.
الثانية: الموجود في رجال الشيخ أقل من هذا العدد بل حتى مع إضافة المذكورين في المصادر الأخرى كما نقلناه عن الفائق.
فتكون النتيجة أن تمام أصحاب الصادق g هم ذاك العدد بذاك الوصف. وهذا الوجه أيضاً ليس بتام.
أما بالنسبة للمقدمة الأولى فيأتي فيها ما ذكرناه بالنسبة للوثاقة في الوجه الأول.
وأما بالنسبة للمقدمة الثانية فعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود, كما إن ظاهر عبارة المفيد أن العدد أكثر من (٤٠٠٠) لكن الثقات منهم (٤٠٠٠) وفي أعلام الورى ان الأربعة ألآف هؤلاء من مشهوري أهل العلم لا مع غير المشهورين.
فالحصيلة النهائية انه لا دليل على وثاقة أصحاب الصادق g في رجال الشيخ.
الفصل الخامس
في نسخ الكتاب هذا
وههنا جهات ثلاثة:
الأولى: ذكر المحقق التستري(٧١) S وآخرون إنه لم يصل إلينا شيء من رجال الشيخ وفهرسته وفهرست النجاشي نسخة مصححة, نعم وصلت إلى ابن طاووس والعلامة وابن داود بل صرح الأخير في مواضع بكون الفهرست ورجال الشيخ عنده بخط الشيخ, وأما بعدهم فلا حتى زمن التفرشي والميرزا بدليل اختلافهم في النقل عنها ووو...
والاطلاع على النسخ الخطية لرجال الشيخ وغيره يحتاج إلى متابعة الفهارس الخاصة بالمخطوطات, وبالنسبة لرجال الشيخ كان أقدم مخطوطة يرجع تاريخها إلى ٥٣٣ هـ, وقد اعتمدت في تصحيح المطبوع أخيراً من كتاب الرجال.
الثانية: المصادر التي توفرت على كتاب الرجال مما يمكن عدّها نسخاً للكتاب هي على الإجمال الخلاصة والإيضاح ورجال ابن داود ومنهج المقال ونقد الرجال.
بالالتفات إلى ما ذكرناه عن القاموس يكون ما اتفق عليه العلامة وابن داود هو الأصل والصحيح كما صرح به حتى لو كانت نسخنا خالية عنه, أما ما لم يذكر في كلامهما ونقله المتأخرون كمنهج المقال والنقد عن الشيخ فلا عبرة به, هذا كله إذا لم يدل دليل من الخارج على الخلاف.
ولكن لابد من إثبات أن النسخ المصححة وصلت إلى العلامة وابن داود ولم تصل إلى ما بعدهما ؟
أما ابن داود فقد صرح مراراً إن رجال الشيخ وفهرسته كانت عنده بخط الشيخ نفسه, أما العلامة فنحتاج إلى متابعة أكثر ليست وقتها الآن.
أياً كان فيمكن إن يقال:
بالنسبة لمنهج المقال ونقد الرجال فصحيح إن طول المدة المفضية إلى نسخ الكتاب وما يرافق النسخ من الخطأ والوهم وتصرف النساخ يجعل احتمال الخطأ في النسخ الواصلة إليها اكبر من تلك الواصلة إلى ابن داود والعلامة, ولكن هذا لا يمنع وصول النسخ التي اعتمد عليها العلامة وابن داود بل وقبلها أيضاً كما في وصول النسخة المخطوطة المشار إليها إلينا.
مضافاً إلى إن الفاصلة بين الخلاصة ورجال ابن داود وبيننا طويلة جداً مما يجعل نسخها في أنفسهما عرضة للخطأ وتصرف النساخ, نعم إذا وصلت إلينا بخطهما كان لما ذُكر مجالاً.
فالصحيح إن المنهج فيما اختلفوا فيه هو حساب الاحتمالات وملاحظة القرائن حتى يحصل الوثوق بأحد الاحتمالات, نعم ما في النسخة المخطوطة والخلاصة ورجال ابن داود أكثر قيمة احتمالية لا أنها تقدم مطلقاً .
الثالثة: الاختلاف بين النسخ بالزيادة والنقيصة لا تعني تصرف النساخ وإسقاطهم بل هذا احد الاحتمالات في المسألة, وأما الاحتمال الأخر وهو قوي في رجال الشيخ وفهرسته إن هذه الزيادات من إضافات الشيخ أو ابنه أو احد تلامذته بعد الانتهاء من تأليفهما وانتشار نسخهما إذ الإضافة على الكتب بعد الانتهاء من تأليفهما آمر متداول بين المؤلفين كما هو المشاهد الآن عند إعادة طبعات الكتاب, وقد بين ذلك السيد الأستاذ دامت بركاته فراجع(٧٢).
الفصل السادس
في تأخر رجال الشيخ عن فهرسته وتقدمه على الاختيار
أما بالنسبة لرجال الشيخ مع فهرسته فهنا احتمالان:
الأول: تزامنهما في التأليف بدليل الإرجاع في الرجال إلى الفهرست الكاشف عن تقدم الفهرست, وذكره لكتاب(٧٣) الرجال في الفهرست المستدعي لتقدم الرجال ورفعاً للتناقض يصار إلى التزامن.
ويرد عليه احتمال أن ذلك الإرجاع وهذا الذكر هو من الإضافات اللاحقة عليهما إذ كما أشرنا إلى أن الإضافة على الكتب بعد الانتهاء من تأليفها أمر متداول بين المؤلفين, ولا يمكن البناء على أي من هذين الاحتمالين إلا بمرجح مضافاً إلى ذلك ما سنذكره في الاتجاه الثاني من الاحتمال الثاني. فهذا الاحتمال لا يمكن قبوله.
الثاني: تأخر الرجال عن الفهرست, وهنا اتجاهان:
احدهما: تأخر الرجال بالجملة أي بكل ما ورد فيه عن الفهرست واختاره كثيرون والدليل عليه الإرجاع المذكور.
ويرد عليه:
١- ما ذكرناه في الاحتمال الأول من أنه ذكر كتاب الرجال في الفهرست, فلا يتم ما رامه إلا بإثبات إن هذا الذكر من الإضافات اللاحقة على الفهرست وسيأتي في الاتجاه الثاني.
ثانيهما: تأخر الرجال في الجملة عن الفهرست واختاره السيد الأستاذ دامت بركاته(٧٤). فههنا دعويان: أصل التأخر, وأنه في الجملة لا بالجملة.
أما أصل التأخر فلما ذكره الشيخ S في ترجمة زرارة بن أعين في الفهرست(٧٥) إذ قال: (ولهم أيضاً روايات عن علي بن الحسين والباقر والصادق i فذكرهم في كتاب الرجال إن شاء الله تعالى) فان هذه العبارة واضحة الدلالة على انه لم يكن قد ألف كتاب الرجال آنذاك وإنما كان من قصده تأليفه لاحقاً.
أقول: هذه العبارة كما تحتمل ما ذكر تحتمل أيضاً أن كتاب الرجال موجود ولكن الفعل المضارع وان شاء الله أنما لذكرهم فيه, ولكن مع ذلك بملاحظة تجميع القرائن يحصل الوثوق إن الرجال في الجملة متقدم وهي بالإضافة إلى ما ذكر من أصل الإرجاع وما في ترجمة زرارة, كثرة الإرجاع في الرجال إلى الفهرست إذ بلغت ٢٨ مرة وقد ذكر الإرجاع بالفعل الماضي.
وأما في الجملة فلأن الإضافة على الكتب بعد الانتهاء من تأليفها أمر متداول بين المؤلفين, وقد حصل للشيخ في كتبه كما بين ذلك السيد الأستاذ دامت بركاته(٧٦).
وقد يقال ما الفائدة المرجوة من تحقيق أيهما المتأخر؟
الجواب انه عند تعارض المتقدم والمتأخر يقدم المتأخر أو يصار إلى التساقط على المبنى في حجية قول الرجالي وبيانه:
إذا بنينا على إن حجية قول الرجالي من باب حجية رأي أهل الخبرة نظير الفتوى في الفقه, فلابد من الالتزام بتقديم المتأخر ولا عبرة بالمتقدم ولا يحكم بتساقطهما والرجوع إلى الغير.
أما إذا بنينا على أنه حجة من باب حجية خبر الثقة في الموضوعات فهنا صورتان:
الأولى: حصول الوثوق باشتباهه في خبره الأول, فهنا لابد من تقديم المتأخر بعد سقوط المتقدم عن الحجية للوثوق بأخطائه.
الثانية: عدم حصول هكذا وثوق, عندئذ يقع التعارض بين المتأخر والمتقدم.
إن قلت: التأخر الزماني يصلح إن يكون مرجحاً, فيقدم المتأخر.
قلت: عند مراجعة سيرة العقلاء التي هي الملاك في حجية خبر الثقة لا تعتبر التأخر الزماني مرجحاً بل تتحير فيهما وتراهما متعارضين.
أما إذا بنينا على انه حجة من باب حصول الوثوق والاطمئنان فلا يكفي التأخر الزماني بل المدار هو الوثوق والاطمئنان.
أما بالنسبة لرجال الشيخ مع اختياره.
فمع إن الشيخ S في فهرسته(٧٧) ذكر الاختيار في عداد كتبه عند ترجمته لنفسه, وهذا يستدعي تقدمه على الفهرست فالرجال أو المزامنة في التأليف, إلا أنه من الواضح إن هذا من الإضافات اللاحقة للكتاب بشهادة أمور:
الأول: ما ذكره السيد ابن طاووس S: (فأما ما ذكرنا عنه في خطبة اختياره لكتاب الكشي, فهذا ما وجدناه: أملى علينا الشيخ الجليل الموفق أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي وكان ابتداء إملائه يوم الثلاثاء السادس والعشرين من صفر سنة ٤٥٦ في المشهد الشريف الغروي على ساكنه السلام. قال: هذه الإخبار اختصرتها من كتاب الرجال لأبي عمرو محمد بن عبد العزيز واخترت ما فيها ...)(٧٨) .
وهذا التاريخ يقرب من تاريخ وفاة الشيخ ٤٦٠ فيكون تأليفه للاختيار في أخريات حياته.
ولكن هذا تاريخ إملاء الكتاب على تلامذته لا تاريخ تصنيفه, إلا أن يقال إن ما اختاره في هذا الإملاء يمثل تصنيفه له, وليس ببعيد.
الثاني: النجاشي(٧٩) عند ترجمته للشيخ لم يذكره في عداد كتبه.
ولكن النجاشي لم يكن في مقام استقصاء كتبه بل ذكر بعضها كما هو صريح عبارته إذ قال (له كتب منها ...).
الثالث: كيفية اختيار الشيخ من أصل رجال الكشي, إذ انه حذف الطبقات وأسامي الكتب والمصنفات مما يفيد الظن الغالب أنه اعتمد في ذلك على الرجال والفهرست واقتصر في الاختيار على الجرح والتعديل.
خاتمة
يقيّم الكتاب من جهات متعددة:
منها: مؤلفه من حيث اختصاصه ورتبته في ذاك الاختصاص.
ومنها: مؤلفه من حيث مشايخه وأفكاره ورؤاها.
ومنها: مصادره من حيث النوع والكم.
ومنها ومنها ..
وشيخ الطائفة S مع موسوعيته وشموليته إلا أنه يحسب على الفقهاء والمتكلمين ويمثل هذا أحد مبررات عدم التزامه بالأساليب المنهجية والفنية في الحديث والرجال, كما أن البعض قدم النجاشي عليه عند المعارضة لمكان تخصصه – أي النجاشي – بالأنساب وتمحضه في علم الرجال, ولأجل اختصاص النجاشي ببعض الرجاليين كابن الغضائري, ولمكان اعتماد الشيخ على فهرست ابن النديم ورجال الكشي أكثر من النجاشي ووو.
وليس هنا محل هذا البحث إذ انه يحتاج إلى تتبع واستقصاء وإنما مقصودنا الإشارة إلى هذه الجهة وما يترتب عليها من آثار.
والحمد كل الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على خير الخلق المصطفى وآله الطاهرين
تم الفراغ من تسويده في ٨ شوال ١٤٣٢ هـ
الذكرى الأليمة لتهديم قبور أئمة البقيع i
المصادر
وغيرها.
(١) السيد البروجردي S في مقدمة ترتيب أسانيد الكافي عبر بفني الرجال وتمييز المشتركات, وهذا يعني إن كلاً من هذه الثلاثة يمثل علماً برأسه له مبادئه وموضوعه وغايته وآليات البحث فيه, والسيد الخوئي S في معجمه ترجم للرواة وذكر طبقاتهم وبهذا يحصل التمييز التام بين المشتركات كما صرح بذلك في معجمه (١/٩) ط النجف, يُنظر أسانيد كتاب الكافي: ٠/٢٣١.
(٢) وهذه إحدى ثمرات تشخيص طبقات الرواة وهناك ثمرات أخرى منها تمييز المشتركات ونحن لم نعتمد عليها – أي تمييز المشتركات – في بيان الحاجة إلى علم طبقات الرواة لأنه يؤدي إلى إن يكون تشخيص الطبقة من مبادئ علم تمييز المشتركات لا علماً برأسه.
(٣) لا يخفى إن الحاجة بهذا المقدار قد لا تستدعي إيجاد علم برأسه ولكن بملاحظة الحيثيات الأخرى التي لا مجال لذكرها الآن يظهر توفر هذه الثلاثة على مقومات العلم بمعناه الفني.
(٤) أسانيد كتاب الكافي: ٠/٢٣٤ , المنهج الرجالي: ٧٣.
(٥) مقدمة ترتيب أسانيد الكافي: ٠/٢٣١ , كليات في علم الرجال للسبحاني: ١٣٩.
(٦) مقدمة ترتيب أسانيد الكافي: ٠/٢٣١.
(٧) المصدر السابق: ٢٣٢, كليات السبحاني: ١٤٢.
(٨) المصدر السابق: ٢٣٣.
(٩) المنهج الرجالي: ٩٩.
(١٠) عن محمد واعظ زاده الخراساني نقلاً عن كليات السبحاني: ١٤٢.
(١١) مقدمة ترتيب أسانيد الكافي: ٠/٢٣٤.
(١٢) رجال السيد بحر العلوم: ج٤ فائدة ٣٩, وغيره.
(١٣) حكاه في المنهج الرجالي: ٧٠ عن نهاية التقرير.
(١٤) مقدمة ترتيب أسانيد كتاب التهذيب: ٠/٣٦٤.
(١٥) قاموس الرجال: ١/٢٤.
(١٦) معجم رجال الحديث, المقدمة السادسة: ٩٥, ط ٥.
(١٧) معجم رجال الحديث: ٤٢.
(١٨) القاموس: ١/٢٧.
(١٩) القاموس: ١/٣٦, وسائل الانجاب الصناعية: ٦٢٧.
(٢٠) وهذا تمام المقدمة.
(٢١) رجال السيد بحر العلوم: ٣/٢٢٧.
(٢٢) أسانيد كتاب الكافي: ٢٦٩.
(٢٣) معجم رجال الحديث: ٩٨, ط٥, تنقيح المقال: ١/١٩٤, ط حجرية.
(٢٤) القاموس: ١/٤٠, ٤٣, سماء المقال: ١/١٤٠.
(٢٥) الرواشح السماوية: ١٠٨, ١١٠.
(٢٦) القاموس: ١/٢٤.
(٢٧) القاموس: ١/٤٠.
(٢٨) القاموس: ١/٤١, ٤٣, سماء المقال: ١/١٤٠.
(٢٩) معجم مصطلحات الرجال والدراية: ٨٥, الرواشح: ٢٥١.
(٣٠) رجال الطوسي: ٣٩٧, ٣٩٨, ٣٩٩.
(٣١) رجال الطوسي: رقم ٣٧٩٣, ٣٧٩٨, ٣٨٠١, ٣٨٠٢ الخ.
(٣٢) القاموس: ١/٤٢.
(٣٣) اكليل المنهج: ٥٤ ,قائلاً: (وكثيراً ما رجعنا في معرفة حال الرجال المذكورة في اسناد الأخبار في ابواب الأئمة للشيخ وجدنا الرجل المذكور بين العبارة المذكورة في الإسناد بغير زيادة أو نقصان).
(٣٤) شرح مناسك الحج: ٨/١١٣.
(٣٥) منهج المقال: ٣/٣٥٣.
(٣٦) تكملة الرجال: ١/٩٥.
(٣٧) رجال الطوسي: ٣٩٨, ٣٩٩.
(٣٨) القاموس: ٣٤, ٤١, ٥٦.
(٣٩) مجمع الرجال للقهبائي: ١/٤٢.
(٤٠) مجمع الرجال: ٢/٢١٤ ت٦.
(٤١) معجم رجال الحديث: ٩٩, ط٥.
(٤٢) القاموس: ١/٣٤, ٤١.
(٤٣) عدة الرجال: ١/٢٥٦, المنهج الرجالي: ٧١.
(٤٤) بعض الباحثين في مجلة تراثنا , ذكر هذه الأجوبة للناحية الثالثة ولا يخفى اتيانها ههنا.
(٤٥)المنهج الرجالي: ٧١.
(٤٦) شرح مناسك الحج: ٦/٤٨١ وما بعدها.
(٤٧) رجال الكشي بتحقيق مصطفوي: ١٧, ط القاهرة.
(٤٨) رجال ابن داود: ١٥٤, ط النجف.
(٤٩) رجال ابن داود: ٨٤.
(٥٠) رجال ابن داود: ٤١.
(٥١) القاموس: ١/٤١, ٤٢.
(٥٢) تنقيح المقال: ١/١٩٤, ط حجرية.
(٥٣) القاموس: ١/٤٢, ومعجم رجال الحديث: ٩٦, ط نجف.
(٥٤) الرواشح السماوية: ١١٠.
(٥٥) المعجم: ٩٧, ط النجف.
(٥٦) رجال الخاقاني فوائد الوحيد في آخره: ٣١, يُنظر مقدمة منهج المقال.
(٥٧) القاموس: ١/٨١.
(٥٨) القاموس: ١/٦٤.
(٥٩) القاموس: ٩/٥٦٣.
(٦٠) الخلاصة: ٣٢٢.
(٦١) خاتمة المستدرك: ٥/٧٤.
(٦٢) نهاية الدراية: ٤٠٢.
(٦٣) شرح مناسك الحج: ٦/٥٩٣.
(٦٤) شرح مناسك الحج: ٦/٥٩٢, بتصرف.
(٦٥) القاموس: ١/٤٤, منتهى المقال: ١/٦.
(٦٦) شرح مناسك الحج: ٨/٣٣٠.
(٦٧) المستدرك, الخاتمة: ٧/٧٥.
(٦٨) رجال النجاشي: ٨٧.
(٦٩) الفهرست: ٨٤.
(٧٠) خاتمة المستدرك: ٧/٧٨.
(٧١) القاموس: ١/٥٦.
(٧٢) شرح مناسك الحج: ٦/٤٨٢, ٥٩٧, ٥٩٩.
(٧٣) الفهرست: ٢٤١.
(٧٤) شرح مناسك الحج: ٦/٤٨٢.
(٧٥) الفهرست: ١٣٤.
(٧٦) شرح مناسك الحج: ٦/٤٨٢.
(٧٧) الفهرست :٢٤٢.
(٧٨) فرج المهموم :١٣٠.
(٧٩) رجال النجاشي:٤٠٣.